للصراع الإعلامي الرقمي ميدانان لا يجوز الخلط بينهما: ميدان نخبوي تُخاض فيه معارك الأفكار والسرديات، وميدان شعبي تدور مواجهاته في أزقة الفضاء الرقمي، حيث تتشكل القناعات، وتُصنع الانطباعات، وتُحسم معارك التأثير بعيدًا عن صالونات التنظير.
ومن السذاجة، بل من سوء تقدير طبيعة الصراع، أن نحاول فرض قواعد الميدان النخبوي على المواجهة الشعبية. فلكل ميدان لغته وأدواته وإيقاعه، ومن يدخل الأزقة بعقلية الندوات، ثم ينتظر أن تنتصر حجته لمجرد أنها أكثر رصانة، لا يفهم طبيعة المعركة التي يخوضها.
والحقيقة التي ينبغي ألا نتجاهلها أن الحملات المعادية لا تصل إلى الأزقة من فراغ. فهي تبدأ غالبًا بسرديات تمهيدية تُزرع بعناية، وتُختبر عبر المنصات، ثم تتسلل تدريجيًا إلى الوعي العام. وحين تعجز النخب عن تفكيك هذه السرديات في مراحلها الأولى، تنتقل المواجهة إلى الجمهور، حيث تصبح أكثر اتساعًا وتعقيدًا وكلفة.
بمعنى أكثر وضوحًا: حين تصل المعركة إلى الأزقة، فذلك يعني أن خط الدفاع النخبوي قد تعثر، وأن ما كان بالإمكان احتواؤه بالحجة والتحليل أصبح يحتاج إلى مواجهة مختلفة تمامًا.
والأزقة الرقمية ليست هامشًا في هذا الصراع، كما يتوهم بعض المتعالين على الخطاب الشعبي؛ إنها قلب القلعة الرقمية، وخط الدفاع الأكثر التصاقًا بالناس. ومن يسيطر على سردياتها يمتلك قدرة هائلة على توجيه المزاج العام، حتى وإن افتقر إلى الحجة أو المصداقية.
ولهذا، حين تتعرض هذه المساحة لهجوم من حسابات مأجورة وشبكات تضليل منظمة، فإن الإصرار على المجاملة والتهدئة والحوار التقليدي لا يعود دليل حكمة بالضرورة، بل قد يتحول إلى عجز عن فهم طبيعة التهديد. فلا يمكن مواجهة حملة تقوم على التشويه والتلاعب والاستفزاز بخطاب يتصرف وكأن الطرف الآخر يبحث عن الحقيقة أو ينتظر اقتناعًا فكريًا.
وهذا لا يعني الانزلاق إلى الشتائم أو الفوضى، وإنما يعني التخلي عن الوهم القائل إن كل خصومة تُحسم بالنقاش الهادئ، وإن كل حملة عدائية تستحق أن تُعامل بوصفها اختلافًا مشروعًا في الرأي.
هناك فرق شاسع بين محاور يريد الوصول إلى الحقيقة، وحساب مأجور مهمته إغراقها. وبين ناقد يطرح اعتراضًا، وشبكة منظمة تعمل على صناعة الانطباعات الزائفة. ومن يساوي بين هؤلاء جميعًا، إنما يمنح التضليل مساحة إضافية للعمل تحت غطاء الحوار.
المواجهة في الأزقة تحتاج إلى سرعة وحسم، وإلى خطاب يفهم لغة الجمهور دون أن يستخف بعقله، ويكشف التلاعب دون أن يقع في فخه، ويواجه الأكاذيب بوضوح لا يترك لها فرصة للتحول إلى حقائق متداولة.
أما الذين يطالبون المدافعين عن القلعة الرقمية بالتزام قواعد السجال النخبوي في كل مواجهة، فعليهم أولًا أن يجيبوا عن سؤال بسيط: أين كانت تلك القواعد حين كانت السرديات المعادية تتسلل إلى وعي الجمهور دون تصدٍّ كافٍ؟
فليس من الحكمة أن نطالب حراس الأزقة بخوض المعركة بأدوات فشل غيرهم في حماية المداخل بها.
والخلاصة أن الصراع الإعلامي لا يُدار بالأمنيات، ولا تُحمى القلاع بحسن النوايا. ومن لا يميز بين ميدان تُناقش فيه الأفكار، وميدان تُشن فيه حملات التضليل، سيظل يطالب الآخرين بالهدوء، بينما تُنتزع منه القدرة على التأثير.
فالمشكلة ليست في أن للأزقة لغة مختلفة، بل في أن بعض النخب لا تزال تظن أن المعركة ستنتظر حتى تنتهي من ترتيب عباراتها.
