المسؤولية الاجتماعية شرطاً

تعد المسؤولية الاجتماعية للشركات مفهوماً تكميلياً أو نشاطاً هامشياً يُمارس في المناسبات، بل أصبحت أحد المؤشرات المهمة على نضج المنشأة واستدامة أثرها وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع المجتمع والبيئة والاقتصاد. ومع التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية، وما تحمله رؤية السعودية 2030 من توجهات نحو تعزيز مساهمة القطاع الخاص في التنمية، فإن الوقت يبدو مناسباً للانتقال بالمسؤولية الاجتماعية من مفهوم الممارسة الاختيارية إلى معيار مؤسسي قابل للقياس والتحقق.

ومن هنا يبرز مقترح يستحق الدراسة: أن تصبح ممارسة المسؤولية الاجتماعية أحد الشروط والمعايير المطلوبة من الشركات التي ترغب في إبرام العقود مع الجهات الحكومية، وكذلك العقود والمشروعات الكبرى مع الشركات الوطنية الكبرى، وفق ضوابط ومعايير واضحة ومعلنة.

الفكرة لا تعني تحميل الشركات التزامات إضافية دون إطار تنظيمي، وإنما تعني أن يكون للشركة سجل واضح في المسؤولية الاجتماعية، كما أصبح الحال في العديد من المجالات الأخرى التي لا يكفي فيها أن تقول المنشأة إنها ملتزمة، بل يتطلب الأمر مستندات وشهادات وإثباتات يمكن التحقق منها.

فإذا كانت الجهات المتعاقدة تشترط على الشركات متطلبات تتعلق بالجودة والسلامة والأمن والامتثال المالي والفني، فلماذا لا تكون المسؤولية الاجتماعية جزءاً من منظومة معايير التأهيل والتعاقد؟

يمكن أن يتم ذلك من خلال اعتماد شهادة أو وثيقة رسمية تثبت تطبيق الشركة لممارسات المسؤولية الاجتماعية وفق معايير محددة، تصدر عن جهة متخصصة ومستقلة، كجمعيات المسؤولية الاجتماعية المؤهلة أو الجهات المهنية المعتمدة، على أن تكون الشهادة محددة المدة وقابلة للتجديد، وترتبط بمنهجية تقييم واضحة لا بمجرد المشاركة في مبادرة أو تقديم تبرع.

والأهم هنا هو التفريق بين المسؤولية الاجتماعية الحقيقية والعمل الخيري التقليدي. فالشركة التي تتبرع بمبلغ مالي لمبادرة مجتمعية لا يعني ذلك بالضرورة أنها تطبق المسؤولية الاجتماعية بمفهومها المؤسسي. التطبيق الحقيقي يبدأ من داخل الشركة: من بيئة العمل، وحقوق الموظفين، والسلامة المهنية، وحماية البيئة، وترشيد الموارد، وتمكين المجتمع، ودعم المحتوى المحلي، وتطوير الموردين، وإدارة الأثر، وبناء الشراكات المجتمعية، وقياس نتائج هذه الممارسات والإفصاح عنها.

ومن هنا يمكن تطوير نظام وطني لتقييم المسؤولية الاجتماعية للشركات، يتضمن مستويات أو درجات محددة، بحيث لا تكون الشهادة مجرد إجراء شكلي للحصول على عقد، وإنما أداة لتحفيز الشركات على التطوير المستمر. ويمكن أن تتضمن معايير التقييم جوانب اقتصادية واجتماعية وبيئية وحوكمية، مع مراعاة طبيعة وحجم ونشاط كل شركة.

كما يمكن أن تُدرج المسؤولية الاجتماعية ضمن معايير المنافسات والمشتريات الحكومية، بحيث تحصل الشركات المستوفية لمتطلبات المسؤولية الاجتماعية على نقاط إضافية ضمن التقييم الفني، وفق أطر نظامية عادلة وشفافة، مع تجنب تحويل الشهادة إلى عائق أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال تصميم مستويات ومتطلبات تتناسب مع حجم المنشأة وطبيعة نشاطها.

وقد يكون من المناسب أيضاً أن تتولى جمعيات المسؤولية الاجتماعية دوراً مهنياً في هذا المجال، ليس باعتبارها جهة تمنح شهادة شكلية، وإنما باعتبارها جهة متخصصة تقوم بالتقييم والتشخيص والتحقق من وجود الممارسات، وتقديم التوصيات وخطط التحسين، ثم إصدار شهادة تطبيق المسؤولية الاجتماعية وفق معايير معتمدة وإجراءات موثقة.

إن تطبيق هذا المقترح من شأنه أن يحدث تحولاً مهماً في علاقة الشركات بالمجتمع؛ فبدلاً من أن يكون السؤال: كم تبرعت الشركة؟ يصبح السؤال الأهم: ما الأثر الذي أحدثته الشركة؟ وكيف يمكن قياسه والتحقق منه؟

كما أن ربط المسؤولية الاجتماعية بالعقود الحكومية والمشروعات الكبرى قد يخلق سوقاً مهنية جديدة لخدمات تقييم وقياس الأثر الاجتماعي، ويحفز الشركات على إنشاء وحدات أو إدارات متخصصة للمسؤولية الاجتماعية، ويفتح المجال أمام الجمعيات المتخصصة لتقديم خدمات التشخيص والتطوير والتأهيل، بما يسهم في بناء منظومة أكثر احترافية واستدامة.

ولا يعني هذا المقترح أن تتحول المسؤولية الاجتماعية إلى “ضريبة” جديدة على القطاع الخاص، ولا أن يصبح الحصول على الشهادة هدفاً بحد ذاته؛ بل الهدف هو ترسيخ مفهوم أن ممارسة الأعمال لا تنفصل عن مسؤولية المنشأة تجاه المجتمع الذي تعمل فيه.

إننا أمام فرصة لبناء نموذج سعودي متقدم يجعل المسؤولية الاجتماعية جزءاً من دورة حياة العقد: من التأهيل، إلى التعاقد، إلى التنفيذ، ثم قياس الأثر والإفصاح عنه.

وربما آن الأوان لأن ننتقل من مرحلة السؤال: هل تمارس الشركة المسؤولية الاجتماعية؟ إلى مرحلة أكثر تقدماً: أثبت لنا ذلك.

فالمسؤولية الاجتماعية حين تصبح موثقة، قابلة للقياس، مرتبطة بالحوكمة والتعاقد، وتخضع للتحقق من جهات متخصصة، فإنها تتحول من شعار جميل إلى التزام مؤسسي يصنع أثراً حقيقياً ومستداماً.

ولعل المستقبل يحمل لنا نموذجاً تصبح فيه “شهادة تطبيق المسؤولية الاجتماعية” إحدى الوثائق التي لا تقل أهمية عن شهادات الجودة والسلامة والامتثال عند تأهيل الشركات للدخول في العقود الكبرى.

عندها لن تكون المسؤولية الاجتماعية خياراً تجميلياً، بل شرطاً من شروط ممارسة الأعمال المسؤولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com