ليس اليوم الوطني السعودي ذكرى تُستعاد في صفحات التاريخ فحسب، بل هو لحظة وطنية يتجدد فيها وعي الإنسان السعودي بمعنى أن ينتمي إلى وطنٍ عظيم؛ وطنٍ لم تصنعه المصادفات، بل صنعته إرادة التوحيد، وحمته صلابة الرجال، ورفعت بنيانه عزيمة قيادة آمنت بأن وحدة الأرض هي البداية الأولى لوحدة المصير.
في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932م، أعلن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ طيّب الله ثراه ـ توحيد البلاد تحت اسم «المملكة العربية السعودية»، بعد مسيرة تاريخية بدأت باستعادة الرياض، ومضت بثبات حتى جمعت أجزاء الوطن تحت راية واحدة، وأقامت دولةً راسخةً تستمد نهجها من كتاب الله وسنة رسوله، وتبني شرعيتها في وجدان شعبها على الأمن والعدل ووحدة الصف.
لم يكن التوحيد ضمًّا للجغرافيا بقدر ما كان تأسيسًا لمعنى الوطن؛ إذ تحولت المسافات المتباعدة إلى قلبٍ واحد، والقبائل والمناطق إلى مجتمعٍ متماسك، والصحراء الممتدة إلى دولةٍ ذات سيادة وحضور وتأثير. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المملكة مجرد حدودٍ على الخريطة، بل أصبحت وطنًا يحمل رسالة، ودولةً تبني مكانتها بهدوء الواثقين وصلابة الراسخين.
واليوم، في ذكرى الوطن السادسة والتسعين، يأتي شعار «عزّنا بطبعنا» تعبيرًا صادقًا عن الشخصية السعودية التي لم تستعر قيمها من أحد؛ فالعز في هذه البلاد طبعٌ متوارث، والكرم سجية، والشهامة موقف، والوفاء عهد، والهمّة طريق لا يعرف التراجع. إنها أخلاق مجتمعٍ يرى في إغاثة الملهوف واجبًا، وفي إكرام الضيف شرفًا، وفي حماية الوطن مسؤوليةً لا تقبل المساومة.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ـ حفظهما الله ـ تمضي المملكة في مرحلة استثنائية من تاريخها؛ مرحلةٍ لا تكتفي بصون المنجز، بل تصنع من الطموح مشروعًا، ومن الرؤية واقعًا، ومن الإنسان السعودي ركيزةً للتحول والبناء.
لقد جاءت رؤية السعودية 2030 لتعلن أن هذا الوطن لا يعيش على أمجاد ماضيه، على عظمتها، بل يستمد منها القوة لصناعة مستقبله. فالمملكة التي وحّدها المؤسس بالسيف والحكمة، يبنيها أبناؤها اليوم بالعلم والمعرفة والابتكار؛ لتصبح أكثر تنوعًا في اقتصادها، وأوسع تأثيرًا في محيطها، وأكثر حضورًا في العالم.
إن الاحتفاء باليوم الوطني لا يكتمل بالأعلام الخضراء والعروض المبهجة وحدها، على جمالها، بل يبلغ معناه الأسمى حين يتحول الانتماء إلى عمل، والفخر إلى مسؤولية، والمحبة إلى إتقان. فالأوطان لا تُصان بالشعارات، وإنما بسواعد أبنائها، ووعي أجيالها، وإخلاص العاملين في ميادينها، والحرص على أمنها ووحدتها ومكتسباتها.
في اليوم الوطني السادس والتسعين، لا نحتفل بمرور عامٍ جديد على وطننا فحسب؛ بل نحتفل بوطنٍ يزداد رسوخًا، وشعبٍ يزداد وعيًا، وقيادةٍ تحمل طموح أمةٍ بأكملها. نحتفل بتاريخٍ صنع المجد، وحاضرٍ يكتب التحول، ومستقبلٍ يليق باسم المملكة العربية السعودية.
هذا وطنٌ لا يُختصر في مناسبة؛ لأنه يسكننا كل يوم.
وطنٌ نرفع رايته اعتزازًا، ونحمل مسؤوليته وفاءً، ونبني مستقبله عملًا.
دام عزّك يا وطن، شامخًا بوحدتك، عظيمًا بقيادتك، قويًّا بأبنائك.
محمد خلف بن ناحل
