«مَدى».. حين تنتقل المسؤولية من الدعم إلى صناعة الأثر

في القطاع غير الربحي، لم يعد الدعم التقليدي كافياً لصناعة أثر اجتماعي مستدام؛ فالجمعيات الأهلية تحتاج اليوم إلى منظومة متكاملة من التمكين، وبناء القدرات، والخبرة، والبنية التحتية، والدعم اللوجستي، واحتضان الأفكار. ومن هنا تأتي أهمية مبادرة «مَدى» التي أطلقتها مؤسسة عبدالمنعم الراشد الإنسانية خلال حفل ختام المنح الصيفي للعام ٢٠٢٦م لتمكين الجمعيات الأهلية في الأحساء والدرعية.

تتميز المبادرة بأنها تتجاوز مفهوم الدعم المباشر إلى مفهوم أكثر عمقاً يتمثل في بناء قدرة الجمعية على صناعة الأثر. فهي تتيح فرصاً وبرامج نوعية، وتصمم برامج متخصصة وفق احتياجات الجمعيات، وتوفر المعسكرات المشتركة لتبادل الخبرات وتطوير المبادرات، إلى جانب احتضان الأفكار وتحويلها إلى مبادرات قابلة للتنفيذ.

كما تمتد مسارات «مَدى» إلى الدعم اللوجستي والتشغيلي، وتطوير القدرات في إدارة المشاريع وقياس الأثر والاستدامة، والاستفادة من خدمات مركز التدريب، وتعزيز التكامل بين الجمعيات، وتوفير البنية التحتية والتجهيزات التي تسهم في تنفيذ البرامج النوعية.

وهنا تكمن القيمة الأهم للمبادرة؛ فهي لا تقدم تمويلاً لمشروع فحسب، بل تستثمر في قدرة الجمعية ذاتها. فالجمعية التي تمتلك أدوات التخطيط، وإدارة المشاريع، وقياس الأثر، وتصميم البرامج، وبناء الشراكات، ستكون أكثر قدرة على إنتاج مبادرات مستدامة وتعظيم أثر مواردها.

وتأتي «مَدى» في وقت يشهد فيه القطاع غير الربحي في المملكة تحولاً متسارعاً نحو الاحتراف المؤسسي وصناعة الأثر وقياس النتائج، الأمر الذي يجعل نماذج الشراكة بين المؤسسات المانحة والجمعيات أكثر أهمية؛ شراكات تقوم على التمكين وتبادل المعرفة، لا على العلاقة التقليدية بين «مانح» و«مستفيد».

لكن نجاح «مَدى» لا يعتمد على المؤسسة المانحة وحدها؛ فهناك شريك رئيسي في هذه المعادلة، وهو الجمعيات الأهلية نفسها.

لقد أصبحت الكرة الآن في ملعب الجمعيات في الأحساء والدرعية، فالمبادرة تفتح أبواباً للفرص والخبرات والإمكانات، لكن تحويل هذه الفرص إلى أثر يتطلب من الجمعيات أن تعرف احتياجاتها بدقة، وأن تمتلك مشاريع نوعية وأفكاراً قابلة للتنفيذ والقياس، وأن تكون أكثر استعداداً للتعاون وتبادل الخبرات.

والجمعية الذكية لا تسأل فقط: ماذا يمكن أن أحصل عليه؟ بل تسأل: ماذا يمكن أن أبني من خلال «مَدى»؟ وما الأثر الذي أستطيع تحقيقه لمجتمعي؟

وهنا يمكن للمبادرة أن تتحول إلى منصة لصناعة جيل جديد من الجمعيات المحترفة؛ جمعيات قادرة على الابتكار، وإدارة المشاريع، وقياس الأثر، وبناء الشراكات، وتعظيم الموارد، وتحويل الأفكار إلى نتائج ملموسة.

إن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس في إطلاق «مَدى»، وإنما في مدى تفاعل الجمعيات معها: كم فكرة نوعية ستتحول إلى مشروع؟ وكم مشروعاً سيحقق أثراً قابلاً للقياس؟ وكم شراكة جديدة ستولد من هذه المبادرة؟

لقد قامت مؤسسة عبدالمنعم الراشد الإنسانية بخطوة مهمة حين وسّعت مفهوم الدعم من تمويل النشاط إلى تمكين المؤسسة، ومن دعم المشروع إلى بناء القدرة، ومن تقديم الموارد إلى صناعة الفرص.

أما الجمعيات، فعليها أن تلتقط هذه الفرصة، وأن تنتقل من انتظار الدعم إلى صناعة المبادرات، ومن استهلاك الموارد إلى تعظيم أثرها، ومن العمل المنفرد إلى التكامل والشراكة.

«مَدى» قد تفتح مساحة واسعة للفرص، لكن الأثر لن تصنعه المبادرة وحدها؛ بل ستصنعه الجمعيات عندما تحوّل هذه الفرص إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج، والنتائج إلى أثر مستدام.

وهنا فعلًا… الكرة أصبحت في ملعب الجمعيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com