الأحساء.. أفق التنمية وصناعة الإنسان

ليست التنمية في جوهرها سباقًا في تشييد الطرق والأنفاق والمباني، على أهمية ذلك كله، وإنما هي القدرة على بناء الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم هذه المنجزات، ويحافظ عليها، ويحوّلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية وحضارية مستدامة.

ومن هذا المنظور تبدو الأحساء اليوم أمام أفق تنموي يتجاوز مفهوم تحسين المدينة إلى سؤال أعمق: أي إنسان نريد أن تصنعه الأحساء وهي تعبر إلى مستقبلها؟

فالمدينة تستطيع أن تتغير في سنوات قليلة؛ طريق جديد، نفق، مشروع سياحي، حي حديث أو استثمار ضخم. لكن بناء الإنسان عملية أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا؛ لأنها تتصل بالمعرفة، وأخلاق العمل، والمسؤولية، والمبادرة، والذائقة، والانتماء، والقدرة على التفكير والإنتاج.

ولهذا فإن أخطر اختلال يمكن أن تواجهه أي تجربة تنموية هو أن يتقدم عمران المكان أسرع من عمران الإنسان.

الأحساء تمتلك في هذا الجانب ثروة لا تظهر في المؤشرات الاقتصادية التقليدية؛ مخزونًا تاريخيًا من الاعتدال، والعمل، والتجارة، والزراعة، والحرفة، والعلاقة الحميمة بالمكان. وهذه ليست مجرد صفات اجتماعية جميلة، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها رأس مال حضاريًا ينبغي استثماره في صناعة الشخصية الأحسائية الجديدة.

شخصية تعتز بالنخلة، لكنها تفهم الاقتصاد الحديث. تحفظ التراث، لكنها لا تسكن الماضي. تتعامل مع التقنية، لكنها لا تفقد إنسانيتها. تنتمي إلى المكان، لكنها تفكر بأفق عالمي.

وهنا تتحول التنمية من مشروعات تُقام للإنسان إلى مشروع لصناعة الإنسان نفسه.

فافتتاح نفق جديد أو تطوير شبكة طرق يختصر المسافة داخل المدينة، لكن التعليم الجيد يختصر المسافة بين الإنسان والمستقبل، والثقافة تختصر المسافة بين المجتمع والوعي، وأخلاق العمل تختصر المسافة بين الإمكان والإنجاز.

ولهذا لا يكفي أن نسأل في الأحساء: ماذا سنبني خلال السنوات القادمة؟

الأهم أن نسأل: من الذي سيبني؟ وكيف يفكر؟ وما قيمه؟ وما مقدار معرفته؟ وما علاقته بمدينته؟

إن مستقبل الأحساء الحقيقي يبدأ حين يصبح الإنسان فيها جزءًا من صناعة التنمية، لا مجرد مستفيد منها؛ حين يتحول الشاب من باحث عن فرصة إلى صانع لها، والمزارع من منتج أولي إلى شريك في اقتصاد متطور، والحرفي من حافظ للموروث إلى صاحب علامة تجارية، والمثقف من مراقب للتحولات إلى مساهم في تشكيل وعي المجتمع.

عندها يصبح الاقتصاد نتيجةً لتنمية الإنسان، وليس بديلًا عنها.

إن المدن قد تتشابه في الأنفاق والجسور والأبراج، لكنها تختلف في الإنسان الذي يسكنها. ولذلك فإن الرهان الأكبر للأحساء ليس أن تكون مدينة أكثر عمرانًا فقط، وإنما أن تكون مجتمعًا أكثر معرفة، وإنسانًا أكثر قدرة، واقتصادًا أكثر إنتاجًا، وهويةً أكثر رسوخًا.

ذلك هو الأفق الأبعد للتنمية:

أن نبني الأحساء في الإنسان، قبل أن نبني للإنسان في الأحساء.

محمد بن ناحل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com