تعمل في جمعية؟! جملة قد تبدو عابرة، لكنها أحياناً تحمل تصوراً كاملاً عن العمل في القطاع غير الربحي: مؤسسة بسيطة، إمكانات محدودة، عمل لا يحتاج إلى كثير من الاحتراف، وموظفون يفترض أن يقبلوا بأقل مما يحصل عليه نظراؤهم في القطاعات الأخرى ، وهنا يبرز السؤال: لماذا ما زال البعض يتعامل مع كلمة «جمعية» وكأنها تخفيض تلقائي لقيمة المؤسسة ومن يعمل فيها؟
المشكلة ليست في الجمعيات وحدها، بل في الصورة الذهنية التي ما زالت تختزلها في نماذج العمل الأهلي التقليدي، رغم التحولات الكبيرة التي يشهدها القطاع غير الربحي في المملكة.
لكنها جمعية! هذه العبارة تختصر إشكالية أعمق، فنحن نطالب الجمعيات بالحوكمة، والاستدامة المالية، وبناء الشراكات، وقياس الأثر، والتحول الرقمي، وإدارة المخاطر، وتحقيق مؤشرات الأداء؛ ثم نستغرب عندما تبحث الجمعية عن كفاءات متخصصة أو تسعى إلى توفير بيئة مهنية جاذبة ، نريد من الجمعية أداءً احترافياً، لكننا أحياناً لا نريد أن نمنحها مقومات الاحتراف ، والحقيقة أن المدير التنفيذي في الجمعية لا يفقد خبرته عندما يعمل في قطاع غير ربحي، كما أن المحاسب، والمختص في الموارد البشرية، ومدير المشاريع، والمستشار، وخبير الاتصال المؤسسي لا تتغير قيمتهم المهنية بتغير اسم المؤسسة ، المسمى القانوني للمؤسسة لا يغيّر قيمة الإنسان المهنية ، من المهم تصحيح مفهوم جوهري: «غير ربحي» لا يعني «غير مهني» ، فالجمعية التي تدير موارد مالية، وتنفذ برامج تنموية، وتخدم المستفيدين، وتبني شراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ، وتلتزم بالحوكمة والامتثال، تتحمل مسؤولية مؤسسية وأخلاقية كبيرة ، وكلما ارتفعت مسؤولياتها، زادت حاجتها إلى الكفاءات والاحتراف ، لذلك لا يمكن أن نطالب الجمعيات بتحقيق أثر استثنائي، ثم نتعامل مع العاملين فيها وكأنهم أقل استحقاقًا للتقدير أو التطوير أو المزايا المهنية ، إذا أردنا جمعيات احترافية، فعلينا أن نمنحها القدرة على استقطاب المحترفين والاحتفاظ بهم.
ومن المؤسف أن ينظر البعض إلى العمل في الجمعية باعتباره محطة مؤقتة إلى حين العثور على وظيفة أفضل ، وهذا التصور لم يعد مناسباً لواقع القطاع الذي أصبح يحتاج إلى تخصصات دقيقة في الحوكمة، والاستدامة، والاستثمار الاجتماعي، وإدارة الأثر، وتطوير الموارد، وإدارة الشراكات، والاتصال المؤسسي، وإدارة المتطوعين وغيرها ، إن العمل في القطاع غير الربحي يمكن أن يكون مساراً مهنياً متكاملاً، وليس خياراً احتياطياً ، كما أن خدمة المجتمع لا تعني التنازل عن الحقوق المهنية ، فالعامل في الجمعية يحتاج إلى بيئة عمل عادلة، ومسار وظيفي واضح، وتطوير مستمر، وتقدير للإنجاز، ومزايا تتناسب مع مسؤولياته وإمكانات المؤسسة.
إذا كنا جادين في تطوير القطاع غير الربحي، فالمطلوب ليس تمويل الجمعيات فقط، وإنما تغيير النظرة إليها على الشركات أن ترى الجمعيات شريكاً في صناعة القيمة الاجتماعية، وعلى الجهات الحكومية أن تتعامل معها كشريك تنموي، وعلى المجتمع أن ينظر إلى العامل فيها باعتباره مهنياً اختار أن يضع خبرته في خدمة قضية مجتمعية ، وفي المقابل، على الجمعيات أن تثبت استحقاقها لهذا التقدير بالحوكمة، والشفافية، والكفاءة، والنتائج، وقياس الأثر.
لقد تجاوز القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية صورته التقليدية بكثير ؛ فهو اليوم قطاع يتطور، ويستقطب الكفاءات، ويبني الشراكات، ويقيس الأثر، ويسهم في تحقيق مستهدفات وطنية كبرى لذلك، آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: أين تعمل؟ ، ونبدأ بالسؤال الأكثر عدلًا: ماذا أنجزت؟ وما الأثر الذي صنعته؟ فالقيمة لا يحددها اسم المؤسسة، ولا شعارها، ولا تصنيفها ،القيمة تُقاس بالكفاءة والإنجاز والأثر.
أما أن تصبح كلمة «جمعية» سبباً تلقائياً لخفض قيمة المؤسسة أو الموظف، فهذه ليست مشكلة في الجمعيات…بل مشكلة في نظرتنا إليها.
