عضو مجلس الإدارة «مع وقف التنفيذ».. حين يغيب الأثر ويحضر الاسم

في مرحلةٍ يشهد فيها القطاع غير الربحي في المملكة تحولاً متسارعاً ، لم يعد السؤال عن عدد الجمعيات ، ولا عن عدد أعضاء مجالس إداراتها ، بقدر ما أصبح السؤال الأهم: ماذا يضيف هؤلاء الأعضاء؟ وما الأثر الذي يصنعونه؟

فعضوية مجلس إدارة الجمعية الأهلية لم تعد منصباً تشريفياً يُضاف إلى السيرة الذاتية ، ولا اسماً يُدرج في محضر اجتماع جمعية عمومية أو اجتماع مجلس إدارة ، ولا مقعداً يحضر صاحبه عند اكتمال النصاب ويغيب عندما تبدأ رحلة العمل.

ومع ذلك ، لا تزال بعض الجمعيات تعيش حالةً لافتة من العضوية الشكلية؛ عضوٌ حاضر في القائمة ، غائب عن المشهد ، يعرفه سجل الجمعية أكثر مما يعرفه فريق العمل ، ويظهر اسمه في محاضر الاجتماعات أكثر مما يظهر رأيه في صناعة القرار.

إنه ببساطة: «عضو مجلس إدارة مع وقف التنفيذ».

لا يشارك في نقاش ، ولا يقترح مبادرة ، ولا يراجع أداءً ، ولا يشارك في فعالية ، ولا يتولى ملفاً ، ولا يفتح باباً لشراكة ، ولا يسأل عن مؤشرات الأداء، ولا يتابع أثر البرامج والمشروعات.

ومع مرور الوقت ، يصبح وجوده أشبه بـ«حضور قانوني» لا يرافقه حضور حقيقي في المسؤولية.

العضوية ليست تشريفاً

قد يكون من الضروري أن نتوقف عند مفهوم عضوية مجلس الإدارة في الجمعيات الأهلية، فعضو المجلس ليس مجرد شخص اختير لتمثيل اسمه أو مكانته الاجتماعية ، بل هو جزء من منظومة حوكمة يفترض أن تسهم في حماية الجمعية ، وتوجيهها، ومتابعة أدائها، وتعزيز استدامتها، ومساءلة جهازها التنفيذي، والمشاركة في رسم توجهاتها الاستراتيجية.

ولا يعني ذلك أن يتحول عضو المجلس إلى موظف يعمل داخل الجمعية يومياً، فلكل طرف دوره ومسؤولياته، لكن الفارق كبير بين عضو غير متفرغ وعضو غير فاعل، الأول قد لا يكون موجوداً كل يوم، لكنه حاضر عندما يُحتاج إليه، أما الثاني، فقد يكون موجوداً في كل المحاضر، لكنه غائب عن كل ما يصنع الفرق.

المشكلة ليست في العضو وحده، ومن الإنصاف ألا نضع المسؤولية كلها على العضو، فبعض مجالس الإدارة لا تمنح أعضاءها أصلاً المساحة الكافية للمشاركة، وربما تتركز الملفات في يد الرئيس أو عدد محدود من الأعضاء، بينما يتحول بقية المجلس تدريجياً إلى متلقٍ للمعلومات بدل أن يكون شريكاً في صناعة القرار، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛

فالمجلس الفاعل لا يُبنى على رئيس يعمل وأعضاء يصادقون، ولا على جهاز تنفيذي يقترح ومجلس يوقع، وإنما على علاقة مؤسسية متوازنة تتكامل فيها أدوار المجلس مع الجهاز التنفيذي.

كل عضو يجب أن يعرف: أين يمكن أن يضيف؟ وما الملف الذي يستطيع أن يخدم فيه؟ وما القيمة التي يستطيع أن يقدمها للجمعية؟

المرحلة الجديدة التي يعيشها القطاع غير الربحي تتطلب إعادة تعريف حقيقية لدور عضو مجلس الإدارة، نحن أمام جمعيات مطالبة بالحوكمة، والاستدامة المالية، وقياس الأثر، وبناء الشراكات، وتنمية الموارد، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتحقيق نتائج ملموسة للمستفيدين.

وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن نقول: لدينا مجلس إدارة من سبعة أو تسعة أعضاء، السؤال الحقيقي هو:

• هل لدينا سبعة أو تسعة عقول تعمل معًا؟

• هل لدينا عضو يستطيع فتح باب شراكة؟

• وآخر يضيف خبرته المالية؟

• وثالث يساند في تنمية الموارد؟

• ورابع يراجع جودة الأداء؟

• وخامس يساهم في بناء العلاقات المؤسسية؟

• وسادس يقرأ المستقبل ويستشرف المخاطر؟

• وسابع يضع خبرته وعلاقاته في خدمة رسالة الجمعية؟

هنا فقط تتحول العضوية من مقعد إلى قيمة، ومن اسم في قائمة إلى أثر في مؤسسة.

أما الأسوأ من العضو الغائب : ثقافة قبول الغياب.

ربما لا تكون المشكلة الكبرى في وجود عضو غير فاعل، وإنما في أن يصبح ذلك أمراً طبيعياً لا يلفت الانتباه، عندما يصبح السؤال عن العضو: «هل حضر الاجتماع؟» بدل «ماذا أضاف؟»، نكون قد اختزلنا العضوية في الحضور، وعندما يصبح معيار النجاح: «اكتمل النصاب»، بدل «اتخذنا قرارات نوعية»، فإننا نخلط بين سلامة الإجراء وجودة الحوكمة، وعندما يمر عام كامل دون أن يستطيع أحد أن يذكر مبادرة أو شراكة أو فكرة أو ملفاً حمله عضو مجلس إدارة، فهنا يجب أن نتساءل بجدية: ماذا نريد من هذه العضوية؟

الجمعيات الأهلية اليوم لا تحتاج مجالس إدارة كبيرة بقدر حاجتها إلى مجالس فاعلة، متنوعة، متكاملة، ومؤمنة بالرسالة، تحتاج عضواً لا ينتظر أن يُطلب منه كل شيء، بل يسأل: ماذا أستطيع أن أقدم؟، لا ينتظر جدول الأعمال ليعرف دوره، بل يأتي إلى الاجتماع وفي ذهنه فكرة، وملاحظة، وحل، وفرصة.

لا ينظر إلى الجمعية باعتبارها جهة تمنحه صفة «عضو مجلس إدارة»، بل باعتبارها مسؤولية مجتمعية منحته فرصة أن يكون جزءاً من صناعة أثر حقيقي، فالعضوية ليست امتيازاً بقدر ما هي تكليف، وليست وجاهة بقدر ما هي مسؤولية، وليست مقعداً بقدر ما هي مشاركة في صناعة المستقبل.

إلى أين نريد أن نصل؟ نحن في مرحلة لا تحتمل المجالس الهامشية، ولا الأدوار المعلقة، ولا العضويات التي تنتظر نهاية الدورة دون أن تترك أثراً، نحتاج إلى أن تسأل الجمعيات أعضاء مجالس إدارتها، بكل وضوح ومهنية: ماذا قدمت خلال هذه الدورة؟ ليس من باب المحاسبة الشخصية، وإنما من باب قياس القيمة التي أضافتها العضوية.

قد تكون الإجابة شراكة، أو مورداً، أو فكرة، أو تطويراً لنظام، أو معالجة تحدٍ، أو دعماً لفريق، أو تمثيلاً للجمعية، أو مساهمة في قرار استراتيجي.

المهم أن تكون هناك إضافة يمكن رؤيتها وقياس أثرها.

فالقطاع غير الربحي الذي يتجه نحو مزيد من الاحترافية والاستدامة لا يستطيع أن يحمل معه ممارسات تنتمي إلى مرحلة سابقة، ولذلك، ربما آن الأوان أن ننتقل من السؤال:

«من هم أعضاء مجلس الإدارة؟»

إلى السؤال الأكثر أهمية:

«ماذا يفعل أعضاء مجلس الإدارة؟»

فالاسم وحده لا يصنع مجلساً، والحضور وحده لا يصنع أثراً، واكتمال النصاب لا يعني بالضرورة اكتمال المسؤولية.

وفي النهاية، ستبقى الحقيقة بسيطة وواضحة:

عضو مجلس الإدارة الذي لا يشارك في القرار، ولا يضيف للفكرة، ولا يساند الرسالة، ولا يصنع أثراً… قد يكون عضواً في السجل، لكنه ليس بالضرورة عضواً في صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com