في زمن التحولات الكبرى، لا تُقاس الأمم بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تصنعه من أثرٍ مستدام في حياة الإنسان. ومن هذا المنطلق، برز القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية بوصفه أحد أهم محركات التنمية، وشريكاً رئيساً في بناء المجتمع الحيوي، بعد أن حظي برؤية طموحة ودعم مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – الذي أعاد رسم مستقبل هذا القطاع، ونقله من مفهوم العمل الخيري التقليدي إلى منظومة تنموية متكاملة تقودها الحوكمة، وتدعمها الكفاءة، ويقاس نجاحها بالأثر.
لقد شكّلت رؤية المملكة 2030 نقطة التحول الأكبر في تاريخ القطاع غير الربحي، فخلال سنوات قليلة تحققت قفزات نوعية تعكس حجم الاهتمام القيادي بهذا القطاع، فقد تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,200 منظمة، بنسبة نمو بلغت 341.97% مقارنة بالسنوات السابقة، كما ارتفع عدد المنظمات المتخصصة الداعمة للأولويات الوطنية إلى 5,495 منظمة، وأسهم القطاع بنسبة 1.40% من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة تقارب 66 مليار ريال، في مؤشر واضح على تحوله إلى رافد اقتصادي وتنموي مؤثر.
ولم يقتصر الإنجاز على النمو العددي، بل امتد إلى بناء قطاع أكثر احترافية واستدامة؛ إذ تجاوز عدد العاملين فيه 141 ألف موظف بعد أن كان أقل من عشرين ألفًا قبل سنوات، وارتفع الإنفاق التنموي إلى 6.1 مليار ريال، كما وصلت نسبة رضا المستفيدين من خدمات المنظمات غير الربحية إلى نحو 90%، بما يعكس تطور الحوكمة وتحسن جودة الخدمات وتعاظم الأثر الاجتماعي.
وفي مجال التطوع، حققت المملكة إنجازاً عالمياً لافتاً ، حيث تجاوز عدد المتطوعين 1.7 مليون متطوع، مع توفير أكثر من 552 ألف فرصة تطوعية، وارتفاع القيمة الاقتصادية للتطوع إلى أكثر من 305 ريالات للفرد، بما يجسد نجاح المملكة في تحويل العمل التطوعي إلى منظومة مؤسسية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
كما شهد القطاع إنجازات استراتيجية تعكس نضجه المؤسسي، من أبرزها اعتماد الاستراتيجية الوطنية للقطاع غير الربحي، وإطلاق منهجية وطنية لقياس الأثر الاجتماعي، وتأسيس مرصد العمل غير الربحي، وإطلاق الأكاديمية الوطنية للقطاع غير الربحي، إضافة إلى تصدر المملكة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر البيئة العالمية للعمل الخيري (GPEI)، وهي إنجازات تؤكد أن المملكة لم تعد تطور القطاع محلياً فحسب، بل أصبحت تقدم نموذجاً عالمياً يحتذى به.
وفي ظل هذه المنجزات المتسارعة، تبدو فكرة تأسيس جائزة ولي العهد للقطاع غير الربحي خطوة طبيعية تواكب مرحلة النضج التي وصل إليها القطاع، وتترجم فلسفة القيادة التي تؤمن بأن التميز يبدأ بالتحفيز، وأن الأثر يستحق التقدير، فجائزة تحمل اسم سمو ولي العهد لن تكون مجرد وسام شرف، بل منصة وطنية لترسيخ ثقافة الجودة والابتكار والحوكمة، وتعزيز التنافس الإيجابي بين المنظمات غير الربحية، وإبراز التجارب الرائدة التي تسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ويمكن لهذه الجائزة أن تصبح المظلة الوطنية الأعلى لتكريم المنظمات والقيادات والمبادرات والمتطوعين والشراكات النوعية، وأن تدفع القطاع نحو مستويات أعلى من التميز المؤسسي، مع توثيق التجربة السعودية وإبرازها دولياً كنموذج يجمع بين القيم الإنسانية والكفاءة الإدارية والاستدامة المالية.
ولأن ولي العهد – حفظه الله – آمن بأن الإنسان هو محور التنمية، جاءت الإصلاحات شاملة؛ تشريعات ممكنة، وبيئة تنظيمية محفزة، واستراتيجيات وطنية، وأدوات لقياس الأثر، وبرامج لبناء القدرات، واستثمارات اجتماعية، وشراكات عابرة للقطاعات، حتى أصبح القطاع غير الربحي شريكاً رئيساً في التنمية الوطنية، وليس مجرد قطاع مساند.
إن جائزة ولي العهد للقطاع غير الربحي ليست فكرة احتفائية عابرة، بل مشروع وطني يتناسب مع حجم التحول الذي تعيشه المملكة، ويعكس روح رؤية 2030، ويخلّد مرحلة تاريخية شهد فيها القطاع غير الربحي أكبر قفزة في تاريخه. إنها رسالة بأن الأثر هو معيار النجاح، والابتكار هو طريق التميز، وأن خدمة الإنسان ستظل في المملكة القيمة الأسمى التي تُبنى عليها التنمية… وتُصنع بها الريادة.
