لم يكن المتنبي شاعرًا يسكن عصره بقدر ما كان رجلًا يحاول أن يتجاوزه. عاش في المشرق العربي متنقلًا بين حواضره وبلاطاته، لكنه ظل، على امتداد رحلته، أكبر من فكرة الاستقرار وأشد قلقًا من أن تطمئنه مدينة أو يحتويه مجلس.
كان يحمل في داخله شعورًا مبكرًا بأن له شأنًا يتجاوز حدود القصيدة؛ ولهذا لم يكن الشعر عنده غايةً خالصة، بل كان جناحًا لطموح أوسع. أراد المجد كما يريد غيره الحياة، ورأى في نفسه من الاستحقاق ما جعله يقيس العالم بمقدار ما يفسح له من مكان.
ومن هنا نفهم قوله:
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردها
ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ
فهذا ليس فخر شاعر بجودة شعره فحسب، بل إعلان عن وعي متضخم بالقيمة؛ إنه يعرف أن ما يكتبه سيغادره ليصبح شأنًا للناس، وأن القصيدة التي انتهى منها في هدوء ستبدأ بعده حياة أخرى في أفواه الرواة ومجالس الأدباء وخصومات النقاد.
كانت آفاق المتنبي واسعة إلى الحد الذي جعل الواقع يضيق به.
ولهذا تبدو الغربة عنده أعمق من غربة المسافر. لم تكن غربته عن مكان، بل عن مستوى يظن أنه خُلق له ولم يبلغه بعد. كان غريبًا بين أقرانه لأنه لم يرَ نفسه واحدًا منهم، وغريبًا في مجالس الأمراء لأنه لم يستطع أن يقنع نفسه طويلًا بأنه مجرد شاعر في حضرتهم.
وفي شعره تتكرر هذه المسافة الخفية بينه وبين العالم؛ بين ما هو كائن وما ينبغي ـ في تصوره ـ أن يكون.
حتى الوطن، وهو أكثر الأشياء قدرةً على استدعاء الحنين، بدا في بعض شعره عاجزًا عن تقييد روحه:
غنيٌّ عن الأوطانِ لا يستفزُّني
إلى بلدٍ سافرتُ عنه إيابُ
إنها عبارة تكشف شيئًا جوهريًا في شخصيته: المتنبي لم يكن يبحث عن مكان يعود إليه، بقدر ما كان يبحث عن أفق يتقدم نحوه.
فالإنسان الذي يكتفي بما بلغ يحنّ إلى الوراء، أما صاحب الطموح القَلِق فيظل بصره مشدودًا إلى الأمام.
ولهذا ارتبطت الجغرافيا في حياة المتنبي بالطموح. الكوفة، والشام، وحلب، ومصر، والعراق، وفارس لم تكن محطات سفر فقط، بل كانت درجات في سلّم داخلي لا تبدو له نهاية. كان ينتقل من أفق إلى أفق، وكلما وصل اكتشف أن طموحه سبقه إلى مكان أبعد.
وهنا تكمن مأساة المتنبي وجماله معًا.
لقد امتلك نفسًا يصعب إشباعها.
إذا اقترب من المجد أراد ما وراءه، وإذا نال الحظوة ضاق بحدودها، وإذا ارتفع في مجلسٍ نظر إلى مرتبة أعلى. وكأن مشكلته الكبرى لم تكن أن العالم حرمه ما يريد، بل أن ما يريده كان يتسع كلما اقترب منه.
ولذلك قال:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
ولعل «النجوم» هنا ليست صورة بلاغية عابرة؛ إنها تكاد تكون مفتاح شخصيته كلها.
فالمتنبي لم يكن يؤمن بالمسافة الآمنة بين الإنسان وطموحه. كان يريد من المرء أن يدفع حياته في اتجاه المعنى الذي يراه جديرًا به، حتى لو كانت كلفة ذلك القلق والغربة والخصومة والترحال.
ومن هنا أيضًا جاء إحساسه الحاد بالتفرد. لقد كان شديد الوعي بذاته، حتى تحولت «الأنا» في شعره إلى مشروع أدبي كامل. غير أن هذه الأنا لم تكن مجرد غرور كما يُختصر أحيانًا؛ كانت تعبيرًا عن صراع بين ذات ترى إمكاناتها بلا حدود، وعالم يضع أمامها الحدود في كل مكان.
ولهذا كان المتنبي شاعر المسافة بين القدرة والمكانة، وبين الطموح والواقع، وبين ما يراه الإنسان في نفسه وما يعترف به العالم له.
ولعل ذلك هو سر بقائه.
نحن لا نقرأ المتنبي اليوم لأن لغته قوية وحسب، ولا لأن حكمته تجري على الألسنة، بل لأن في تجربته شيئًا إنسانيًا لا يشيخ: ذلك الصوت الداخلي الذي يقول للإنسان إن أفقه أبعد من موضع قدميه.
كان يسافر في الأرض، لكنه في الحقيقة كان يسافر في صورته التي يريد أن يبلغها عن نفسه.
وكلما ظن أنه اقترب منها ابتعدت.
لهذا لم تكن حياة المتنبي رحلة بين الكوفة وحلب ومصر وفارس فحسب؛ كانت رحلة رجلٍ يطارد نسخةً أعلى من ذاته.
وربما كان المتنبي، في أعمق طبقاته، غريبًا لا لأنه بلا وطن، بل لأنه كان يحمل في داخله وطنًا من الطموح لم يجد له جغرافيا تتسع له.
تلك هي آفاق المتنبي الواسعة:
أن ترى أبعد مما يراه أقرانك، وأن تطمح إلى أكثر مما يسمح به واقعك، وأن تدفع ثمن ذلك وعيًا مضاعفًا بالغربة.
ولهذا رحل الرجل، وبقي صوته.
نام المتنبي منذ قرون ملء جفونه،
وما زال الخلق يسهرون جرّا شعره ويختصمون.
