الصعلوك الأخير: سيرة التمرّد في زمن المحتوى

لم تكن الصعلكة في التراث العربي مجرد حياة يفرضها الفقر، ولا خروجًا عابرًا على القبيلة، بل كانت ظاهرة إنسانية واجتماعية نسجت حولها الأدب العربي صفحات خالدة. فقد وقف الصعلوك عند تخوم المجتمع، لا ينتمي إليه كامل الانتماء، ولا ينفصل عنه تمام الانفصال، فصنع لنفسه عالمًا خاصًا، له قيمه، ومغامراته، وشعره، وسيرته.

وقد تعددت أسباب الصعلكة؛ فمن الصعاليك من لفظته قبيلته، ومنهم من أخرجته الحاجة، ومنهم من اختار التمرّد على واقع رآه جائرًا. لكنهم جميعًا اشتركوا في رفض الخضوع للمألوف، وفي البحث عن مكانٍ يصنعون فيه ذواتهم، ولو كان ثمن ذلك حياة المطاردة والمشقة.

ولعل المفارقة أن التاريخ لم يحفظ أسماء كثير من زعماء القبائل، بينما حفظ أسماء الصعاليك؛ لأن الشعر منحهم خلودًا لم تمنحه السلطة لأصحابها. فالشنفرى بقي رمزًا للكبرياء الجامح، وتأبط شرًا أصبح أيقونة للجرأة، وعروة بن الورد خلدته مروءته حتى استحق لقب أبي الصعاليك؛ إذ لم يكن يرى الغارة غاية، بل وسيلة لإغاثة المحتاجين وإطعام الجائعين.

ومن هنا فإن الصعلكة، في أحد وجوهها، لم تكن انحرافًا مطلقًا، بل احتجاجًا على اختلال التوازن الاجتماعي، وصوتًا يعلن أن الإنسان إذا ضاقت به السبل قد يصنع لنفسه طريقًا خارج الأسوار.

غير أن الأزمنة تتغير، وتبقى الطبائع، فالصعلوك الأخير لا يعيش اليوم في شعاب الجبال، ولا يعبر الفيافي بسيفه، بل يسكن فضاءات المنصات الرقمية، ويجيد فنون الظهور أكثر مما يجيد صناعة الفكرة. لقد تبدلت أدوات الصعلكة، لكن جوهرها بقي حاضرًا؛ البحث عن المكانة بأقصر الطرق، ولو على حساب الحقيقة.

وإذا كان الصعلوك القديم يغير على القوافل، فإن بعض صعاليك العصر يغيرون على العقول، فيختطفون الانتباه بالعناوين الصاخبة، ويستثمرون الانفعال بدل البرهان، ويستبدلون القيمة بالانتشار، حتى أصبحت الشهرة عند بعضهم مقياسًا للحقيقة، لا نتيجة لها.

ولعل الصعاليك الجدد يمكن قراءتهم في صور متعددة.

فهناك صعلوك الشهرة الذي لا يعيش إلا على الجدل، ويقيس نجاحه بعدد المشاهدات، ولو كان الثمن تزييف الوقائع أو تسطيح القضايا.

وهناك صعلوك الفكر الذي لا ينتج معرفة، بل يقتات على الهدم، فيسخر من كل قيمة، ويهاجم كل رمز، ويحسب أن النقض وحده دليل على العمق.

وهناك صعلوك الثقافة الذي يجمع أسماء الكتب أكثر مما يجمع أفكارها، ويستعرض المصطلحات ليستر فراغها، فيبدو واسع الاطلاع، ضيق الفهم.

وهناك صعلوك السياسة الذي يبدل مواقفه كما يبدل ثيابه، فلا تحكمه المبادئ بقدر ما تحكمه اتجاهات الريح.

ثم يأتي صعلوك المنصة، وهو ابن العصر بامتياز؛ يحول كل حدث إلى فرصة للانتشار، وكل مأساة إلى محتوى، وكل قضية عامة إلى وسيلة لبناء صورة شخصية، حتى يصبح الضجيج عنده صناعة، والاهتمام سلعة.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التفريق بين الصعلكة والتمرّد. فليس كل خارج على السائد مذمومًا، ولا كل مخالف للمألوف باحثًا عن الشهرة. لقد بدأ كثير من المصلحين والمفكرين غرباء في مجتمعاتهم، لكنهم كانوا يحملون مشروعًا للإصلاح، لا رغبة في الاستعراض.

فالفرق بين المصلح والصعلوك أن المصلح يزعج الناس لأنه يقول الحقيقة، أما الصعلوك فيزعجهم لأنه يبحث عن الأضواء. الأول يصنع أثرًا يبقى بعد غيابه، والثاني يصنع ضجيجًا ينتهي بانتهاء موجته.

لقد انقرضت الصحراء التي أنجبت الشنفرى وتأبط شرًا، لكن الصعلكة لم تنقرض؛ إذ وجدت صحراء جديدة أكثر اتساعًا، اسمها الفضاء الرقمي، حيث أصبحت القبيلة جمهورًا، والسوق منصة، والغارة ترندًا، والغنيمة عددًا من الإعجابات والمشاركات.

وهكذا، فإن الصعلوك الأخير لم يعد يحمل سيفًا على كتفه، بل يحمل هاتفًا في يده، ولم يعد يطارد القوافل، بل يطارد الانتباه. وبين صعلوك الأمس وصعلوك اليوم تغيرت الوسائل، أما الرغبة في تجاوز الطريق الطويل إلى المجد السريع، فما زالت هي الحكاية نفسها.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الأدب على كل عصر: هل تُصنع المكانة بالبناء الهادئ، أم بالضجيج العابر؟ وبين الإجابتين يولد، في كل زمن، صعلوك جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com