في القطاع غير الربحي، لا تُقاس المناصب بقيمتها الاسمية، بل بأثرها الفعلي على المجتمع، غير أن الواقع يكشف أحيانًا نماذج قيادية لم تأتِ بدافع الرسالة ، بل بدافع اللقب ، ولم تسعَ إلى المنصب خدمةً للجمعية أو المجتمع ، بل توظيفًا للجمعية لخدمة السيرة الذاتية ، ومن أخطر هذه النماذج: الرئيس الفاشل.
قصة هذا الرئيس تبدأ قبل توليه المنصب بوقت طويل؛ إذ لم يكن طريقه إلى رئاسة مجلس الإدارة نتيجة ثقة مجتمعية أو كفاءة إدارية أو سجل عطاء، بل نتيجة سعي حثيث استُنزفت فيه الموارد، وبُذلت فيه الجهود هنا وهناك، لا لبناء رؤية أو برنامج، بل لبناء تحالفات شكلية تضمن الوصول إلى الكرسي، وقد اكتمل المشهد حين تشكّل مجلس إدارة يفتقر في معظمه إلى الاستقلالية، وضعف القرار، وغياب الجرأة في ممارسة الدور الرقابي، فصار المجلس تابعاً لا شريكاً، ومصفقاً لا موجهاً.
ومع تسلُّم هذا الرئيس زمام القيادة، بدأت ملامح الفشل تتجلى بوضوح، تعطلت المبادرات، وتراجعت جودة البرامج، وضعفت ثقة الشركاء والداعمين، وانخفضت كفاءة الأداء المؤسسي، وغابت الرؤية الاستراتيجية، لم يكن الفشل حدثًا عابرًا أو ظرفًا طارئًا، بل نتيجة منطقية لقيادة افتقدت الحد الأدنى من متطلبات الحوكمة الرشيدة: التخطيط، والتفويض، والمساءلة، والعمل بروح الفريق.
الأكثر إيلامًا في هذا المشهد ليس الإخفاق ذاته، فالإخفاق جزء من مسيرة العمل، بل الإصرار على البقاء رغم وضوح الفشل، يتمسك الرئيس بمنصبه وكأنه حق شخصي، متجاهلًا أن رئاسة مجلس الإدارة تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا غنيمة، تتسع فجوة الضرر مع الوقت، وتصبح الجمعية رهينة لعناد فرد، بينما يدفع المجتمع والمستفيدون الثمن الحقيقي.
إن استمرار هذا النموذج القيادي لا يضر جمعية بعينها فحسب، بل يسيء إلى صورة القطاع غير الربحي ككل، ويقوض الثقة المجتمعية، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن المناصب يمكن أن تُدار بالوجاهة لا بالكفاءة، وبالعلاقات لا بالحوكمة.
الرئيس الناجح يُقاس بأثره بعد مغادرته، أما الرئيس الفاشل فيُقاس بحجم الضرر الذي يخلّفه وهو متمسك بالكرسي، ومن هنا، تصبح المراجعة الجادة، وتفعيل دور الجمعيات العمومية، وتطبيق مبادئ الحوكمة والمساءلة، ضرورة لا خيارًا، لحماية الجمعيات الأهلية من أن تتحول إلى منصات شخصية، بدل أن تبقى أدوات تنموية تخدم المجتمع وتحقق رسالتها السامية.
فالقيادة الحقيقية تعرف متى تتقدم، والأهم… متى تغادر.
