في فضاءات العمل الاجتماعي والأهلي، لا تتجسد القيادة دائماً في المناصب الرسمية أو الألقاب التنظيمية، بل كثيراً ما تظهر في نماذج إنسانية تتقدم الصفوف بدافع ذاتي خالص، دون انتظار تكليف أو صفة اعتبارية. هذه النماذج تمثل في حقيقتها روح العمل التطوعي وجوهره الحقيقي؛ حيث يتحول الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع إلى ممارسة يومية تتجاوز حدود الهياكل الإدارية. ومن بين هذه النماذج تبرز شخصية يمكن توصيفها مجازاً بـ “عضو بلا عضوية”، وهي شخصية “بومحمد جواد”.
هذا النمط من الشخصيات يلفت الانتباه في المؤسسات الاجتماعية؛ فهو حاضر في الاجتماعات، ومبادر في الفعاليات، ومشارك في النقاشات، ومساند في اتخاذ القرار، حتى إن المتابع قد يظنه عضواً في مجلس الإدارة أو رئيساً للجهة ذاتها. غير أن الحقيقة التنظيمية قد تكون مختلفة تماماً؛ إذ لا يحمل هذا الشخص صفة رسمية، ولا يشغل منصباً إدارياً، لكنه يمارس دوراً قيادياً بحكم المبادرة والخبرة والعطاء المستمر.
إن ما يميز هذا النموذج من القيادات المجتمعية هو أن الدافع الحقيقي للعمل لا يرتبط بمكاسب شخصية أو مكانة اعتبارية، بل ينبع من حب الخير والشغف بالخدمة الاجتماعية. فبعض الأفراد يمتلكون حساً فطرياً بالمسؤولية تجاه مجتمعهم، يجعلهم ينخرطون في دعم المبادرات الإنسانية، ومساندة المؤسسات الأهلية، وتقديم الأفكار والمقترحات، والمشاركة في التنفيذ، وكأنهم جزء أصيل من منظومتها المؤسسية.
وفي الأدبيات الحديثة للعمل التطوعي، يُنظر إلى مثل هذه الشخصيات باعتبارها رأس مال اجتماعي غير رسمي. فهي تسهم في بناء العلاقات، وتحفيز المتطوعين، وتعزيز الثقة بين المجتمع والمؤسسات الأهلية. كما أنها تمثل حلقة وصل مهمة بين الأفكار والمبادرات من جهة، والتنفيذ الواقعي على الأرض من جهة أخرى. وغالباً ما يكون تأثيرها أكبر من تأثير بعض المناصب الرسمية، لأنها تتحرك بحرية مدفوعة بالإيمان بالفكرة لا بالالتزام الوظيفي.
كما أن حضور هذه الشخصيات يمنح المؤسسات الاجتماعية بعداً إنسانياً عميقاً، فهي تذكّرنا بأن العمل الخيري في جوهره ليس مجرد لوائح تنظيمية أو مجالس إدارية، بل هو قبل ذلك قيم ومبادئ وأشخاص يحملون همّ المجتمع ويعملون لأجله بإخلاص. فالمؤسسات قد تؤسس بقرارات رسمية، لكنها تستمر وتزدهر بفضل أشخاص يؤمنون برسالتها ويتبنونها بصدق.
إن نموذج “بومحمد جواد” يمثل هذا المعنى بوضوح؛ شخصية تعمل بلا كلل أو ملل، وتتنقل بين المبادرات والمؤسسات الاجتماعية بروح المتطوع الحقيقي، فتساند هنا، وتقترح هناك، وتدعم مبادرة هنا، وتشارك في فعالية هناك، حتى أصبح حضوره جزءاً مألوفاً في مشهد العمل الخيري. وهو بذلك يجسد حالة من القيادة المجتمعية غير الرسمية التي تتشكل من خلال التأثير والعطاء لا من خلال التعيين أو الانتخاب.
ولعل الرسالة الأهم التي يقدمها هذا النموذج هي أن العمل الاجتماعي لا ينبغي أن يُختزل في حدود المناصب أو العضويات، فالمجتمع يحتاج دائماً إلى أفراد يحملون روح المبادرة ويتحركون بدافع المسؤولية الإنسانية. فكم من مبادرة نجحت بسبب شخص آمن بها قبل غيره، وكم من مشروع مجتمعي وجد طريقه إلى النور بفضل شخص لم يحمل لقباً رسمياً لكنه حمل قلباً مخلصاً للمجتمع.
وفي الختام، تبقى مثل هذه النماذج *مصدر إلهام حقيقي للمجتمع* ، لأنها تذكرنا بأن أعظم أشكال القيادة قد تكون تلك التي تمارس في صمت، بعيداً عن الأضواء والألقاب. فهناك دائماً في كل مجتمع أشخاص يشبهون “بومحمد جواد”؛ أعضاء بلا عضوية، وقادة بلا مناصب، لكن أثرهم في المجتمع أكبر من كل الألقاب.
