عندما نتحدث عن تأسيس الجمعيات الأهلية، فإننا لا نتحدث عن استكمال متطلبات نظامية فحسب، بل عن بناء كيان مؤسسي قادر على الاستدامة وتحقيق الأثر. ومن خلال تجربتي في تقديم الاستشارات المتخصصة لعدد من الكيانات غير الربحية، تبرز أمامي تجربة جمعية الصفا للخدمات الإنسانية بوصفها أنموذجاً جديراً بالتأمل والدراسة.
لقد تشرفت بالمشاركة في مرحلة ما قبل التأسيس، من خلال تقديم عدد من ورش العمل المتخصصة للمؤسسين، تناولت موضوعات الحوكمة، وبناء الهيكل التنظيمي، وصياغة الرؤية والرسالة، وإدارة المخاطر، وتخطيط الموارد، وآليات قياس الأداء. وكان لافتاً منذ اللقاءات الأولى أن فريق التأسيس لا يبحث عن “ترخيص” بقدر ما يبحث عن “كيان مؤسسي” مكتمل الأركان.
ما ميّز التجربة – في تقديري – هو مستوى النضج المؤسسي الذي أبداه المؤسسون بشكل عام، والمرشحون لمجلس الإدارة الأول بشكل خاص. فقد كان الحوار يدور حول الاستدامة المالية قبل الحديث عن أول مشروع، وحول مؤشرات الأداء قبل إطلاق أول مبادرة، وحول بناء السمعة المؤسسية قبل الظهور الإعلامي. هذا الوعي المتقدم عكس إدراكاً عميقاً بأن العمل الأهلي لم يعد عملاً عفوياً، بل صناعة قائمة على التخطيط والانضباط والحوكمة.
ومن الملاحظ أن هذا النضج لم يكن تنظيراً في قاعة التدريب، بل تحول إلى ممارسة عملية منذ اللحظة الأولى لصدور الموافقة الرسمية واستلام شهادة التسجيل. فبدلاً من الوقوع في فخ “مرحلة الانتظار” التي تعيشها بعض الجمعيات الناشئة، انطلق فريق العمل بخطة تشغيلية واضحة للسنة الأولى، محددة الأهداف، موزعة الأدوار، ومقترنة بمؤشرات قياس أداء.
اللافت أن منجزات السنة الأولى تجاوزت – من حيث حجم المبادرات والشراكات وبناء الأنظمة الداخلية – العمر الزمني للجمعية. فقد شهدت الجمعية بناء سياسات وإجراءات مكتوبة، وتشكيل لجان متخصصة، وإطلاق برامج نوعية ذات أثر ملموس، إضافة إلى بناء شبكة علاقات مع شركاء داعمين من القطاعين العام والخاص. وكأن الجمعية كانت في حالة استعداد قبل التأسيس، تنتظر فقط الإطار النظامي لتتحرك.
هذا الانعكاس الإيجابي للنضج المؤسسي يؤكد حقيقة مهمة: أن نجاح الجمعيات الناشئة لا يرتبط بعمرها الزمني، بل بعمر الفكرة في عقول مؤسسيها، وبعمق التجربة الإدارية التي يحملونها، وبقدرتهم على العمل بروح الفريق لا بروح الفرد. فالمؤسسة التي تبدأ بسؤال “كيف نحكم عملنا؟” ستصل سريعاً إلى إجابة “كيف نحقق أثرنا؟”.
إن تجربة جمعية الصفا تقدم درساً مهماً لكل من يفكر في تأسيس جمعية أهلية: ابدأوا ببناء الإنسان قبل بناء الكيان، وبصياغة الإطار قبل إطلاق البرامج، وبالاتفاق على قواعد الحوكمة قبل توزيع المناصب. فالتأسيس الحقيقي لا يبدأ بتوقيع عقد التأسيس، بل يبدأ ببناء ثقافة مؤسسية مشتركة.
كما أن هذه التجربة تؤكد أهمية الاستفادة من الاستشارات المتخصصة في مرحلة ما قبل التأسيس. فالاستثمار في التخطيط المبكر يوفر كثيراً من التعثر لاحقاً، ويختصر الطريق نحو الاستدامة. والجمعيات التي تتعامل مع مرحلة التأسيس باعتبارها مرحلة استراتيجية لا إجرائية، هي الأقرب إلى النجاح والتميز.
لا أدّعي أن جمعية الصفا وصلت إلى الكمال، فكل تجربة بشرية قابلة للتطوير، لكن ما تحقق في عامها الأول يمنحها أفضلية تنافسية مبكرة، ويضعها في موقع متقدم بين الجمعيات الناشئة. إنها تجربة تؤكد أن العمل الأهلي حين يُدار بعقلية مؤسسية، يمكن أن يحقق قفزات نوعية في زمن قياسي.
ختاماً، فإن القطاع غير الربحي في ظل رؤية المملكة 2030 يعيش مرحلة تحول تاريخية، تتطلب نماذج ملهمة تعكس الصورة الاحترافية التي نطمح إليها. وجمعية الصفا – في تقديري – تمثل أنموذجاً واعداً لهذا التحول؛ نموذجاً يؤكد أن البدايات المتقنة تصنع مستقبلاً أكثر ثباتاً، وأن النضج المؤسسي ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرطاً أصيلاً لتحقيق الأثر الإنساني المستدام.
