حين تزور موقعًا إلكترونياً لإحدى الجمعيات الأهلية، أو تتصفح حساباتها في منصات التواصل الاجتماعي، قد يخالجك سؤال محيّر: هل ما أراه إعلامٌ بالفعل، أم مجرد حضور شكلي يبرئ الذمة؟
السؤال مشروع، خصوصاً عندما نقارن بين حجم الجهود الاجتماعية والتنموية التي تبذلها هذه الجمعيات، وبين المستوى المتواضع – وأحياناً المؤسف – للمحتوى الإعلامي الذي يُفترض أن يعكس تلك الجهود، ويُبرز أثرها، ويصنع لها مكانتها المستحقة في وعي المجتمع.
الجمعيات الأهلية اليوم لم تعد كيانات تقليدية تقدم مساعدات محدودة، بل أصبحت مؤسسات تنموية متخصصة، تعمل في مجالات نوعية: تمكين، تدريب، وقاية، تنمية مجتمعية، استدامة، وبناء قدرات، ومع ذلك، لا يزال خطابها الإعلامي أسير الخبر المجامل ، والصورة المكررة، واللغة الخالية من العمق، وكأن الإعلام مجرد توثيق للحدث لا صناعة للأثر.
المفارقة المؤلمة أن المحتوى الإعلامي – الذي يُفترض أن يكون الواجهة الأولى للجمعية – غالبًا ما يكون الحلقة الأضعف في منظومة العمل، فلا يعكس الاحترافية، ولا ينقل القصة، ولا يقيس الأثر، ولا يخاطب الجمهور بلغة مقنعة، وفي زمن تُدار فيه المعارك الكبرى على “الوعي” و”الصورة الذهنية”، يصبح هذا القصور خسارة مضاعفة.
جزء من المشكلة يعود إلى نظرة قاصرة لدور الإعلام داخل الجمعيات الأهلية، فالإعلام لا يُنظر إليه كوظيفة استراتيجية، بل كعمل ثانوي يمكن أن يؤديه أي موظف، أو متطوع، أو حتى يُدار بالحد الأدنى من الجهد، والنتيجة محتوى ضعيف، لا ينافس، ولا يُقنع، ولا يخدم أهداف الجمعية على المدى البعيد.
التحدي الآخر يتمثل في الموارد، فالكثير من الجمعيات تعاني من شحّ مالي وبشري، ما يجعل بند الإعلام أول ما يُهمَل، وأقل ما يُموَّل. لا ميزانيات مخصصة للإنتاج الإعلامي، ولا فرق متخصصة، ولا استثمار حقيقي في بناء الهوية البصرية، أو تطوير الخطاب الإعلامي، أو تحليل الجمهور وقياس التفاعل، ومع غياب هذه المقومات، يصبح من غير المنطقي انتظار محتوى مؤثر أو منافس.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: الإعلام لم يعد ترفًا للجمعيات الأهلية، بل ضرورة وجودية، فبدونه لا يمكن تعظيم الأثر، ولا استقطاب الداعمين، ولا كسب ثقة المجتمع، ولا حتى إيصال الرسالة التنموية بالشكل الصحيح، الإعلام هو الجسر بين الجهد المبذول والنتيجة المتحققة، وبين العمل الصامت والتأثير الواسع.
كما أن المحتوى الإعلامي للجمعيات الأهلية يتقاطع بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعظيم أثر القطاع غير الربحي، وتعزيز حضوره، ورفع كفاءته، وتمكينه من أداء دوره التنموي، فكيف يمكن الحديث عن قطاع غير ربحي فاعل، إذا كان صوته خافتًا، وصورته باهتة، وروايته غائبة؟
المطلوب اليوم ليس مجرد تحسين شكلي في التصاميم أو زيادة عدد المنشورات، بل تحول جذري في فهم الإعلام داخل الجمعيات. المطلوب إعلام مهني، استراتيجي، يُدار بعقلية الأثر، ويُبنى على قصة واضحة، ورسالة محددة، وجمهور مُعرّف بدقة. إعلام يشرح “لماذا” قبل “ماذا”، ويعرض النتائج لا الأنشطة فقط، ويصنع الثقة لا المجاملات.
ختامًا، يبقى السؤال قائمًا: هل ما تقدمه الجمعيات الأهلية اليوم هو إعلام حقيقي يواكب حجم رسالتها، أم مجرد حضور شكلي لا يليق بما تبذله من جهد؟
الإجابة عن هذا السؤال، بصدق وجرأة، قد تكون الخطوة الأولى نحو إعلام أهلي يليق بدوره… ويستحق اسمه.
