على الهامش

في كثير من الجمعيات الأهلية، تُعقد اجتماعات الجمعيات العمومية في مواعيد محددة، وتُرسل الدعوات وفق ما نصّت عليه اللوائح، وبفترات كافية قد تصل إلى خمسة عشر يوماً قبل الموعد، ومع ذلك، يظلّ الحضور «على الهامش»، وكأن الاجتماع تفصيلٌ ثانوي لا يستحق أن يُحجز له مكانٌ في جدول مزدحم، أو أن يُعاد ترتيب الأولويات لأجله.

هذه النظرة الهامشية لا تُسيء للاجتماع بقدر ما تُسيء لمفهوم العضوية ذاته. فالجمعية العمومية ليست مناسبة بروتوكولية، ولا اجتماعاً شكلياً لتسجيل الحضور، بل هي السلطة العليا في الجمعية، ومنها تنطلق القرارات المفصلية التي تمس الحوكمة، والشفافية، واعتماد الخطط والميزانيات، ومساءلة مجلس الإدارة. تجاهلها، أو التعامل معها ببرود، يعني عملياً تعطيل أحد أهم صمّامات الأمان في العمل الأهلي.

المفارقة أن كثيراً من الأعضاء يعتذرون بحجة ضيق الوقت، رغم أن الدعوة وصلت مبكراً، ورغم أن الجدولة المسبقة جزءٌ من أبجديات الالتزام المؤسسي. فالوقت ليس المشكلة بقدر ما هو ترتيب أولويات. عندما لا يجد الاجتماع مساحة في اليوم المحدد له، فذلك قرار—ولو غير مُعلن—بتهميش الدور الرقابي والمسؤولية التشاركية التي قبلها العضو طوعاً عند انضمامه.

الأمر لا يقف عند حدّ التقصير الأخلاقي؛ بل يتجاوز ذلك إلى مخالفة صريحة لما نصّت عليه اللوائح والعقد المعنوي بين العضو والجمعية. العضوية ليست بطاقة شرف تُعلّق على الجدار، ولا اسماً يُدرج في قائمة، بل التزامٌ بالحضور والمشاركة والتصويت وتحمل المسؤولية. ومن لا يستطيع الوفاء بهذه الالتزامات، فالأجدر به أن ينسحب بوضوح، إفساحاً للمجال لمن يرى في العضوية دوراً لا هامشاً.

إن إصلاح هذا الخلل لا يبدأ من تذكير الأعضاء بالمواعيد فحسب، بل بإعادة ترسيخ ثقافة العضوية الفاعلة: أن يكون الاجتماع أولوية، وأن تكون المشاركة واجباً، وأن تُفهم المسؤولية على أنها فعلٌ مستمر لا موسمياً. عندها فقط، تخرج اجتماعات الجمعيات العمومية من الهامش إلى المتن، وتستعيد دورها الطبيعي في حماية العمل الأهلي وتطويره.

فالخيار واضح: إما التزامٌ بما نصّت عليه اللوائح، أو انسحابٌ مسؤول. وما بينهما، لا مكان للهامش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com