هل نحتاج إلى خصخصة العمل في الجمعيات؟

يشهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحولات متسارعة في أنماط إدارته وتشغيله، مدفوعة بمتطلبات الحوكمة، ورفع كفاءة الأداء، وتحقيق الاستدامة المالية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. ومن بين هذه التحولات، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في انتشار مؤسسات وشركات تقدم خدمات إدارية ومالية وفنية للجمعيات الأهلية بمقابل مالي، تشمل المحاسبة، والموارد البشرية، والتقنية، وإدارة المشاريع، والتقارير، وغيرها من الوظائف المساندة. هذه الظاهرة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام خصخصة تدريجية للعمل في الجمعيات؟ وهل تمثل هذه الممارسات حلاً أم تحدياً جديداً لهوية العمل الأهلي؟ ، من زاوية إدارية بحتة، لا يمكن إنكار ما تحققه هذه المؤسسات من مكاسب آنية؛ فهي تسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية على الجمعيات، وتحد من تضخم التكاليف الثابتة، وتوفر خبرات متخصصة قد يصعب استقطابها بدوام كامل، كما تساعد على تحسين جودة الإجراءات، وضبط الامتثال للأنظمة والتعليمات، والارتقاء بمستوى التقارير المالية والإدارية. وفي ظل ضعف بعض الجمعيات من حيث البنية المؤسسية أو محدودية مواردها البشرية، تبدو الاستعانة بمثل هذه الخدمات خياراً عملياً وربما ضرورياً في بعض المراحل.

إلا أن النظر إلى المسألة من زاوية واحدة قد يغفل عن آثار عميقة تمس جوهر العمل الأهلي. فالعمل في الجمعيات لا يقوم فقط على الكفاءة التشغيلية، بل يستند إلى منظومة قيمية أبرزها التطوع، والمشاركة المجتمعية، وبناء رأس المال الاجتماعي. ومع توسع الاعتماد على مقدمي خدمات مدفوعة، تتراجع مساحة العمل التطوعي، لا سيما التطوع المهاري والاحترافي، الذي يمثل أحد أهم روافد القيمة المضافة في القطاع غير الربحي.

إن خسارة التطوع المتخصص ليست خسارة عددية فحسب، بل خسارة معرفية وتنموية؛ إذ يحرم ذلك الجمعيات من خبرات وطنية قادرة على نقل المعرفة، وبناء القدرات الداخلية، وتعزيز الانتماء المجتمعي، وخلق قيادات مستقبلية للعمل الأهلي. كما أن الاعتماد المفرط على التعاقدات الخارجية قد يؤدي إلى هشاشة مؤسسية، حيث تصبح الجمعية مرتبطة بجهات خارجية أكثر من ارتباطها بمواردها البشرية والمتطوعين، مما يضعف قدرتها على الاستدامة طويلة المدى.

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هذه الممارسات، لا من منطلق الرفض المطلق، ولا من باب القبول غير المشروط. فالإشكالية ليست في الاستعانة بالخدمات المتخصصة بحد ذاتها، وإنما في غياب التقنين، ووضوح المعايير، والتوازن بين ما يُشترى من خدمات وما يُبنى داخلياً من قدرات. فبعض الوظائف قد يكون من المنطقي إسنادها لجهات خارجية بشكل مؤقت أو جزئي، في حين يجب أن تبقى وظائف أخرى ضمن نطاق العمل التطوعي أو التطوير الداخلي، خصوصاً تلك المرتبطة بصناعة القرار، وبناء السياسات، وإدارة المعرفة.

وفي هذا السياق، يصبح تفعيل التطوع المتخصص خياراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أي نموذج تشغيلي آخر. فاستقطاب متطوعين من ذوي الخبرة في المجالات المالية، والقانونية، والإدارية، والتقنية، والإعلامية، يمكن أن يحقق للجمعيات مكاسب مزدوجة: تحسين الأداء، والحفاظ على روح العمل التطوعي. ويتطلب ذلك من الجمعيات تطوير نماذج واضحة لإدارة التطوع الاحترافي، تشمل توصيف الأدوار، وقياس الأثر، وتقدير الجهود، وبناء شراكات مع الجهات المهنية والأكاديمية.

وفي المقابل، إذا اختارت الجمعيات المضي نحو الخصخصة بشكل أوسع، فيجب أن يكون ذلك ضمن إطار حوكمة واضح، يحدد حدود التعاقد، ويضمن نقل المعرفة، ويمنع تحول الجمعية إلى مجرد كيان ممول يديرها الآخرون. فالخصخصة، إن أُسيء استخدامها، قد تُفرغ العمل الأهلي من مضمونه، وتحوّله إلى نسخة باهتة من القطاع الربحي، دون أن يحقق ميزته التنافسية القائمة على الأثر المجتمعي.

خلاصة القول، إن السؤال ليس: هل نحتاج إلى خصخصة العمل في الجمعيات؟ بل: كيف نوازن بين الكفاءة التشغيلية والقيمة التطوعية؟ وبين الاستعانة بالخبرات المدفوعة وبناء القدرات المجتمعية؟ الإجابة الواعية عن هذا السؤال هي ما سيحدد مستقبل العمل الأهلي، ويحفظ له تميزه، ويضمن استدامته، ويجعله شريكاً فاعلاً في تحقيق التنمية الوطنية الشاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com