ماذا لو كانت الجمعيات الأهلية شركات؟

لم تعد الجمعيات الأهلية اليوم تعمل في الهامش، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من معادلة التنمية الوطنية، وشريكًا مباشرًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 ، ومع هذا التحول ، يبرز سؤال جريء لكنه ضروري: ماذا لو كانت الجمعيات تُدار بعقلية الشركات؟

رؤية المملكة 2030 لم تطلب من القطاع غير الربحي مضاعفة أنشطته فحسب، بل طالبت بتعظيم أثره، ورفع كفاءته، وتحقيق استدامته ، وهذه المتطلبات لا تتحقق بالعاطفة وحدها، بل بعقلية مؤسسية احترافية تشبه ما تطبقه الشركات الناجحة.

الشركات لا تنتظر نهاية الموارد لتفكر في الاستدامة، بل تجعلها جزءًا من نموذجها التشغيلي، في المقابل لا تزال بعض الجمعيات تعتمد على التبرعات الموسمية، دون تنويع حقيقي لمصادر الدخل أو نماذج مالية طويلة المدى ، ولو كانت الجمعيات شركات، لكان الوقف والاستثمار الاجتماعي والخدمات المدفوعة أدوات أساسية لضمان الاستدامة المالية والاستمرار في العطاء لا مبادرات جانبية.

كما أن رؤية 2030 جعلت تنمية رأس المال البشري محورًا رئيسيًا، وهو ما يتطلب من الجمعيات إعادة النظر في طريقة استقطاب الكفاءات وإدارتها ، فالعمل الخيري لا يتعارض مع الاحتراف، بل يحتاجه أكثر من أي وقت مضى ، عقلية الشركات تعني اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، وربط الأداء بالمؤشرات، والاستثمار في التطوير، لا الاكتفاء بحسن النية أو العمل التطوعي في المواقع القيادية الحساسة.

ومن زاوية أخرى، فإن الحوكمة التي أكدت عليها الرؤية ليست إجراءً شكليًا، بل ثقافة مؤسسية، الشركات لا تُدار بالأفراد بل بالأنظمة، ولا تنهار برحيل قائد لأنها تستند إلى سياسات واضحة ومساءلة مستمرة، ولو انتقلت الجمعيات إلى هذا النموذج، لأمكنها من تجاوز كثير من التحديات المرتبطة بالهشاشة الإدارية والاجتهادات الفردية.

الأهم من ذلك أن رؤية المملكة 2030 تتحدث بلغة الأثر لا بلغة الإنفاق ، لا يكفي أن نعرف كم صُرف، بل ماذا تحقق؟، عقلية الشركات تفرض قياس العائد ، ومراجعة البرامج ، وإيقاف ما لا يضيف قيمة، وتطوير ما يحقق أثرًا حقيقيًا على المستفيد والمجتمع.

إن التحول إلى عقلية الشركات لا يعني التخلي عن القيم، ولا تسليع العمل الخيري ، بل يعني حمايته من التآكل وضمان استمراره ، الجمعيات التي لا تتطور ستبقى تعمل، لكنها قد تفقد قدرتها على التأثير.

ماذا لو كانت الجمعيات شركات؟

ربما عندها فقط، سنرى قطاعًا غير ربحيًا أكثر قوة، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على أن يكون شريكًا فاعلًا في تحقيق رؤية المملكة 2030، لا مجرد متلقٍ لدعمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com