ليس من السهل على الإنسان أن يقف في صفّ الحاجة ، ولا أن يطرق باب جمعية طالباً العون ، قبل أن يملأ النموذج، وقبل أن يجمع المستندات، يكون قد خاض معركة قاسية مع نفسه، انتهت بسفك ماء الوجه، وهو أثقل ما يدفعه المحتاج ثمناً لحاجته.
المستفيد ليس حالة طارئة في نظام ، ولا بنداً في خطة تشغيلية ، ولا رقماً يُستكمل به تقرير الأداء ، المستفيد هو جوهر وجود الجمعية الأهلية، وهو مبرر رسالتها، وبدونه تصبح كل الهياكل واللوائح والاجتماعات شكلاً بلا مضمون.
ومع ذلك ، لا يزال بعض القائمين على الجمعيات – بقصد أو دون قصد – يتعاملون مع المستفيد بعقلية الشك لا الثقة ، وبمنطق الإجراء لا الإنسانية ، تُكدّس عليه الأسئلة ، وتُكرر عليه المتطلبات ، ويُستدعى أكثر من مرة لإثبات فقره ، وكأن الحاجة جريمة ، أو الفقر ادعاء يجب دحضه ، والأخطر من ذلك حين تتحول اللوائح والسياسات إلى أدوات قاسية تُمارس على المستفيد بلا روح ولا اجتهاد ، تُطبق النصوص بحرفيتها، ويُغيب مقصدها، فيُحفظ النظام وتُهدر الكرامة ، وهنا يجب أن يُقال بوضوح أي لائحة تُكسر بها كرامة المحتاج هي لائحة فاشلة ، مهما كانت محكمة الصياغة .
نعم، الحوكمة ضرورة، والضبط المالي واجب ، وحماية موارد الجمعية مسؤولية ، لكن الحوكمة الحقيقية لا تتعارض مع الرحمة، ولا تُبنى على إذلال المستفيد ، الحوكمة التي تنسى الإنسان تتحول إلى بيروقراطية باردة ، لا عملاً أهلياً .
خصوصية المستفيد ليست خياراً، بل التزام أخلاقي وقانوني ، تداول بياناته ، أو قصته، أو حتى التلميح بحالته ، تحت أي مبرر، يُعد انتهاكاً صريحاً لكرامته ، فالمستفيد لم يطلب أن تُروى حكايته ، بل أن تُسد حاجته ، كما أن تأخير الخدمة ، أو التسويف ، أو التعامل الفوقي ، كلها ممارسات تُفرغ العمل الخيري من معناه ، وتزرع فجوة خطيرة بين الجمعيات والمجتمع ، فالمستفيد لا ينسى كيف عومل ، حتى وإن نسي قيمة ما قُدم له ، والمرونة في سياسات المستفيد ليست تهاوناً، بل وعيٌ ناضج بمقاصد العمل الأهلي والاجتهاد في تطبيق اللوائح ليس تجاوزاً، بل مسؤولية أخلاقية يتحملها كل من تصدى لخدمة الناس.
رفقاً بالمستفيد… فكرامته ليست منحة من الجمعية ، بل حق أصيل له ، والجمعية التي لا تحسن التعامل مع مستفيديها، مهما عظمت مشاريعها، تظل بعيدة عن جوهر العمل الأهلي، وعن الغاية التي أُنشئت من أجلها ، لذا نعيدها مراراً وتكراراً رفقاً بالمستفيد.
