صندوق دعم الجمعيات من الفكرة إلى التطبيق

لأعوام طويلة، ظلّ الدعم المالي المقدم للجمعيات الأهلية يُصرف وفق نمطٍ تقليدي يعتمد على الإعانة السنوية الثابتة، دون أن يرتبط هذا الدعم بمؤشرات أداء، أو أهداف تطويرية، أو أثرٍ قابل للقياس، ومع حسن النية الذي صاحب هذا التوجه، إلا أن نتائجه لم تكن دائماً بحجم الطموح؛ إذ ساهم – في بعض الحالات – في تكريس الاعتماد على الدعم بدلاً من بناء القدرات، وتعزيز الصرف بدلاً من صناعة الأثر.

من هنا، جاءت فكرة صندوق دعم الجمعيات تجسيد لتحول نوعي في فلسفة الدعم، وانتقال واعٍ من “المنح” إلى “التمكين”، ومن التمويل غير المشروط إلى الاستثمار في الجودة والاستدامة، لم يكن الصندوق مجرد وعاء مالي جديد، بل رؤية مختلفة تعيد تعريف العلاقة بين الجهة الداعمة والجمعيات الأهلية، وتضع المسؤولية المشتركة في قلب المعادلة.

ما يقدمه الصندوق اليوم يتجاوز الدعم النقدي المباشر إلى منتجات دعم نوعية، صُممت بعناية لتلامس مكامن الضعف الحقيقية في العمل الأهلي، من تطوير الحوكمة، وبناء القدرات المؤسسية، وتحسين كفاءة الإدارة المالية، إلى دعم الابتكار، وتنمية الموارد، ورفع جاهزية الجمعيات لتحقيق أثر مستدام، هذا التحول جعل الدعم وسيلة للإصلاح والتطوير، لا مجرد مسكّن مؤقت لتحديات تشغيلية متكررة.

الأهم من ذلك، أن الصندوق ربط الاستفادة من منتجاته بضوابط واضحة ومعايير دقيقة، تضع على عاتق القائمين على الجمعيات مسؤولية الالتزام، والتخطيط، وقياس الأداء، والشفافية ، وهو اشتراط لا يُعد عبئاً بقدر ما هو فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجمعيات، والانتقال بها من العمل الاجتهادي إلى العمل المؤسسي المنضبط.

إن نجاح صندوق دعم الجمعيات لا يقاس بعدد المستفيدين منه فقط، بل بمدى التغير الذي يحدثه في سلوك الجمعيات، وطريقة إدارتها، ونظرتها لمفهوم الاستدامة، فالجمعية التي تتعامل مع الصندوق كفرصة للتعلم والتطوير ستجني أثراً بعيد المدى، أما من تبحث عن الدعم دون التزام أو تغيير، فلن تجد في هذا النموذج ما يلبي توقعاتها.

ختاماً، يمكن القول إن صندوق دعم الجمعيات يمثل خطوة ناضجة في مسار تنظيم القطاع غير الربحي، ودليلاً على أن مرحلة “الدعم من أجل البقاء” قد انتهت، وحلّت محلها مرحلة “الدعم من أجل الجودة والأثر”، ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على وعي القيادات في الجمعيات الأهلية، وقدرتها على استثمار هذا التحول بما يخدم رسالتها، ويعزز ثقة المجتمع، ويضمن استدامتها على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com