لم يعد مقبولاً في العمل الأهلي اليوم أن تُدار البرامج والمشاريع بمنطق «نجرب ونشوف» ، مرحلة العفوية انتهت ، والمجال لم يعد يحتمل الخطأ، لاسيما حين يكون المال مال وقفاً ، والأثر مسؤولية وطنية ، والمستهدفات مرتبطة برؤية طموحة بحجم رؤية المملكة 2030 ، هنا تحديداً يبرز الدور الجوهري للمؤسسات الأهلية الوقفية المانحة ؛ دور لا يقتصر على التمويل ، بل يمتد ليكون شريك جودة وحارس أثر.
المؤسسات الوقفية والأهلية المانحة اليوم لم تعد شيكاً يُصرف ، بل عقلاً مؤسسياً يفرض معايير عالية على كل برنامج ، وكل مشروع، وكل منتج اجتماعي ، فهي تبدأ من الأساس : صياغة أهداف واضحة غير فضفاضة ، قابلة للقياس ، مرتبطة باحتياج حقيقي، ومنسجمة مع الأولويات الوطنية ، أهداف لا تُكتب للتجميل في التقارير، بل لتقود العمل وتُحاسِب عليه.
ومن الأهداف تنتقل هذه الجهات إلى مرحلة أكثر حساسية : بناء مؤشرات دقيقة تقيس التقدم لا النشاط ، وتقيس التغيير لا الجهد المبذول فقط ، فليس المهم كم ورشة نُفذت، ولا كم مستفيد حضر، بل ماذا تغيّر بعد ذلك؟ ما المهارة التي اكتُسبت؟ ما السلوك الذي تحسّن؟ وما الأثر الذي بقي بعد انتهاء التمويل؟
ثم تأتي مرحلة تحديد المخرجات بوضوح ؛ مخرجات يمكن لمسها، تقييمها ، ومقارنتها بما خُطط له ، هذا الانضباط في التصميم والتنفيذ لا يترك مساحة للأخطاء، ولا يسمح بالاجتهادات غير المحسوبة ، «ولا غلطة» ليست عبارة قاسية ، بل ضرورة تفرضها مسؤولية الوقف ومسؤولية الجهة المانحة ، وحق المجتمع ، وثقة الدولة.
ولا يكتمل هذا الدور دون قياس الأثر الحقيقي وإعداد تقارير نوعية احترافية ، لا تُخاطب الأرقام فقط ، بل تروي قصة التغيير بلغة مهنية ، وتُبرز القيمة المضافة التي حققتها تلك الشراكة بين الجهة المانحة و الجمعية المنفذة ، تقارير تُظهر بوضوح أين صُرف الريال، وماذا عاد به، وكيف ساهم في التنمية الوطنية، وفي تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 بجودة عالية وكفاءة مستدامة.
إن المؤسسات الأهلية الوقفية المانحة، حين تؤدي هذا الدور بصرامة ووعي، فهي لا تُجوّد برامج الجمعيات فقط ، بل ترفع سقف العمل الأهلي كاملاً ، وتعيد تعريف النجاح فيه ، نجاح لا يقاس بالكم ، بل بالأثر، ولا يُغتفر فيه الخطأ، لأن الطموح أكبر… ولأن المرحلة تقول بوضوح : ولا غلطة.
عبدالله السلطان يكتب: ولا غلطة
