منظومة العمل الخيري من عهد المؤسس إلى اليوم

لم يكن العمل الخيري في المملكة العربية السعودية نشاطاً هامشياً أو استجابة ظرفية لحاجة طارئة ، بل كان منذ البدايات الأولى لقيام الدولة ركيزة أصيلة في بناء المجتمع ، وامتداداً طبيعياً لقيم دينية واجتماعية راسخة ، فمنذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ، تشكّلت ملامح منظومة عمل خيري متكاملة ، تطورت بتطور الدولة ، وانتقلت من المبادرات الفردية والبسيطة إلى منظومة مؤسسية ذات أثر تنموي واسع.

في عهد المؤسس، كان العمل الخيري متجذراً في نسيج المجتمع ، يعتمد على الوقف، والزكاة، والتكافل الاجتماعي، وتسانده الدولة باعتباره جزءاً من مسؤوليتها تجاه مواطنيها ، لم تكن هناك أطر تنظيمية بالمعنى الحديث ، إلا أن الروح السائدة آنذاك قامت على سرعة الاستجابة للحاجة ، وحفظ كرامة المحتاج ، وربط العطاء بالاستقرار الاجتماعي ، وقد أسهم هذا التوجه في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي بناء مجتمع متماسك رغم محدودية الموارد في تلك المرحلة.

ومع اتساع رقعة الدولة ونمو مواردها، بدأت ملامح التنظيم تظهر تدريجياً في العمل الخيري ، خصوصاً في عهود الملوك من أبناء المؤسس ، حيث شهدت هذه المرحلة نشوء الجمعيات الخيرية الأولى ، وانتقال العمل الخيري من الجهد الفردي إلى العمل الجماعي المنظم ، وأصبح للدولة دور أوضح في الإشراف والدعم، بما يضمن وصول المساعدات لمستحقيها، ويحفظ سلامة المال الخيري من الهدر أو سوء التوجيه.

والتحول الأبرز في منظومة العمل الخيري جاء مع إدراك أن العطاء لا ينبغي أن يقتصر على سد الاحتياج الآني، بل يتجاوز ذلك إلى معالجة أسبابه ، هنا بدأ القطاع غير الربحي يتجه نحو البرامج التنموية : التأهيل، والتدريب، وبناء القدرات، وتمكين المستفيدين اقتصادياً واجتماعياً ، هذا التحول لم يكن شكلياً، بل غيّر فلسفة العمل الخيري من “المساعدة” إلى “التمكين”، ومن الأثر المؤقت إلى الأثر المستدام.

في العقود الأخيرة، دخل القطاع غير الربحي مرحلة جديدة من النضج، اتسمت بتحديث الأنظمة والتشريعات، وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية ، ومع إنشاء وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية كجهة إشرافية، أُعيد تنظيم القطاع، وتم توحيد الأطر التنظيمية، ورفع معايير الأداء والمساءلة ، وأصبحت الجمعيات والمؤسسات الأهلية مطالبة بخطط استراتيجية، وقوائم مالية معتمدة، وقياس أثر واضح، بما يعزز الثقة المجتمعية ويجذب الشراكات.

وجاءت رؤية المملكة 2030 لتمنح القطاع غير الربحي دوراً غير مسبوق ، باعتباره شريكاً في التنمية لا مجرد قطاع مساعد ، ووضعت الرؤية مستهدفات طموحة لرفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي، وزيادة عدد المنظمات، وتعظيم أثرها الاجتماعي ، كما فتحت المجال أمام نماذج مبتكرة، مثل الاستثمار الاجتماعي، والشراكات مع القطاع الخاص، وتوطين الخبرات، بما يعكس انتقال العمل الخيري إلى مرحلة الاحتراف والاستدامة.

وإذا تأملنا المسار التاريخي لمنظومة العمل الخيري في المملكة ، نجد أنها لم تنفصل يوماً عن توجه الدولة ولا عن احتياجات المجتمع، فمن بساطة البدايات في عهد المؤسس، إلى تعقيد المنظومة وتشابكها اليوم، ظل الهدف واحدًا: خدمة الإنسان، وحفظ كرامته، وتعزيز تماسك المجتمع ، الفرق أن الأدوات تطورت، والأنظمة نضجت، والطموح اتسع.

إن منظومة العمل الخيري في المملكة اليوم هي نتاج تراكم تاريخي بدأ برؤية المؤسس طيب الله ثراه ، وتعزز بدعم أبنائه من بعده ، حتى بلغ مرحلة متقدمة من التنظيم والتأثير، والتحدي القادم لا يكمن في حجم العطاء، بل في جودة أثره، وقدرة القطاع غير الربحي على مواكبة التحولات، والاستمرار كأحد أعمدة التنمية الوطنية، وفاءً لإرث المؤسس، واستجابةً لطموح المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com