في مواسم الخير، لا يُقاس المجتمع بسخاء أفراده فحسب ، بل يُختبر نضج قطاعه الخاص وصدق التزامه بدوره التنموي، هنا تحديداً، تتحول المسؤولية الاجتماعية إلى معيار حقيقي، لا شعارٍ موسمي يُرفع عند الحاجة ويُطوى بانتهاء الموسم ، قبل فترة، جمعني حديث مع مدير تنفيذي لإحدى الجمعيات الأهلية ، روى لي تفاصيل لقاء جمعه بأحد رجال الأعمال لبحث شراكة مجتمعية خلال موسم من مواسم العطاء ، لكن ما طُرح على الطاولة لم يكن شراكة بقدر ما كان «خطة تسويقية» مُغلّفة بلغة الخير، كان الحديث صريحاً إلى حد الصدمة: كيف نستثمر الموسم لزيادة المبيعات؟ كيف نضمن ظهور العلامة التجارية؟ وكيف نُسخّر ثقة المتبرعين والداعمين – دون أن يشعروا – لتعظيم العائد التجاري؟ في تلك اللحظة، بدا واضحاً أننا أمام مشكلة أعمق من سوء فهم عابر، نحن أمام انحراف خطير عن مفهوم المسؤولية الاجتماعية كما أرادته رؤية المملكة 2030. فالرؤية لم تتعامل مع المسؤولية الاجتماعية بوصفها نشاطاً خيرياً تقليدياً أو موسماً عاطفياً عابراً، بل وضعتها ضمن إطار الاستدامة والحوكمة وقياس الأثر ، لم تطلب من القطاع الخاص أن «يستثمر في المواسم»، بل أن يستثمر في المجتمع.
وعندما تتحول مواسم الخير إلى أدوات لزيادة الأرباح السريعة، فإننا لا نبتعد فقط عن أخلاقيات العمل المجتمعي، بل نصطدم مباشرة بأحد مرتكزات الرؤية: بناء قطاع ثالث قوي، مستقل، وموثوق ، فالجمعيات ليست أدوات تسويق… وهذا موقف لا مجاملة فيه أبداً ، ولِنكن أكثر وضوحاً: الجمعيات الأهلية ليست منصات إعلانية، ولا قنوات بيع غير مباشرة، ولا غطاءً أخلاقياً لتمرير العروض التجارية، وأي نموذج شراكة يقوم على استغلال ثقة المجتمع، أو توظيف أسماء الجمعيات لجذب المتبرعين ثم إعادة تدوير هذه الثقة لصالح الربح التجاري، هو نموذج يتعارض صراحة مع حوكمة القطاع غير الربحي التي أكدت عليها رؤية 2030، وهذا ليس رأياً شخصياً بقدر ما هو موقف تنموي مسؤول.
من يخسر حين يُختطف موسم الخير؟ الخاسر الأول هو المتبرع، الذي منح ثقته بنية خالصة، والخاسر الثاني هو المستفيد، الذي يتحول إلى رقم في حملة ترويجية، أما الخاسر الأكبر فهو القطاع غير الربحي نفسه، حين تُهدر سمعته ويُشكك في نزاهته، وهنا يكمن الخطر الحقيقي: عندما تهتز الثقة، تتراجع المشاركة المجتمعية، ويضعف الأثر، ويُفرَّغ العمل الخيري من جوهره، وهذا تحديداً ما تعمل رؤية 2030 على عكسه.
الاستثمار الحقيقي – كما تريده الرؤية – لا يكون عبر الشعارات ولا الحملات العابرة، بل عبر شراكات طويلة المدى، ونماذج أثر قابلة للقياس، لا أرقام ظهور، نحتاج إلى فصل واضح بين العمل التجاري والعمل المجتمعي، وإلى حوكمة تحمي المتبرع والمستفيد والجمعية معاً، وإلى وعيٍ بأن المسؤولية الاجتماعية ليست بنداً تسويقياً في الميزانية، بل جزء أصيل من منظومة التنمية الوطنية.
أقولها من باب الأمانة المهنية والمسؤولية: من أراد أن يتاجر فليتاجر بوضوح، ومن أراد أن يتصدق فليحترم قدسية العطاء ،أما خلط المسارين، واستغلال مواسم الخير لتحقيق مكاسب خاصة على حساب ثقة المجتمع، فهو سلوك لا يخدم التنمية ولا ينسجم مع رؤية المملكة 2030، مهما تجمّل بالمصطلحات.
وفي مواسم الخير، نحن لا نحتاج إلى مزيد من الحملات… بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الضمير.
