عبدالله السلطان يكتب: قدّ الثـقـة

في كل موسم خير، وتحديداً مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يخرج صوت مألوف… صوت التشكيك ، تشكيك في الجمعيات الأهلية ، في أدائها، في نواياها، وفي مصير التبرعات التي تمر عبرها، صوت يتكرر كل عام، وكأن العمل الخيري لا يُسمح له أن يكون منظماً، ولا يُغفر له أن يكون مؤسسياً ، وهنا يجب أن يُقال الكلام بوضوح ، التشكيك العام في الجمعيات الأهلية إساءة للمنهج قبل أن يكون نقداً للأداء.
الجمعيات الأهلية اليوم ليست اجتهادات فردية ولا مبادرات عاطفية موسمية، بل كيانات نظامية تعمل وفق لوائح معتمدة، وتخضع لحوكمة صارمة، ومساءلة متعددة المستويات، مجالس إدارة، جمعيات عمومية، سياسات مالية، مراجعين قانونيين، تقارير دورية، وإشراف مباشر من الجهات التنظيمية، هذه ليست شعارات علاقات عامة، بل متطلبات نظامية لا يمكن تجاوزها ، ومن يشكك يتجاهل حقيقة جوهرية ، أن الجمعيات الأهلية هي الجهة الأكثر قدرة على إيصال العطاء للمستحقين الحقيقيين، لأنها الأقرب لهم، والأعرف بأوضاعهم ، والأدق في توثيق احتياجهم، المستفيد في الجمعية ليس اسماً عابراً ، بل ملف مكتمل ، وبحث اجتماعي، وتحديث دوري، ومتابعة تضمن العدالة وعدم الازدواجية ، والأهم من ذلك، أن العمل الخيري المؤسسي لا يدار بالعاطفة وحدها، بل بالمسؤولية ، مسؤولية أمام الله ، ثم أمام الأنظمة ، ثم أمام المتبرعين ، وأخيراً أمام المستفيدين، ولهذا فإن الجمعية لا تصرف ، ولا تطلق مشروعاً ، ولا تجمع تبرعات ، إلا وفق أطر واضحة ، وموافقات معتمدة، ومسارات يمكن تتبعها ومحاسبتها.
أما الحديث عن الأخطاء، فهو حديث يجب أن يكون ناضجاً لا انتقائياً ، نعم، قد تقع أخطاء في الجمعيات الأهلية، وهذا أمر لا تنكره الجمعيات نفسها ، لكنها أخطاء غير مقصودة في الغالب ، تصدر من بشر يعملون في بيئة ضاغطة ، ومواسم ذروة ، واحتياجات متزايدة، الفرق الجوهري أن الخطأ في الجمعيات لا يُبرَّر، بل يُراجع، ولا يُدفن، بل يُصحح، ولا يُكرر بلا محاسبة.
من غير المنطقي أن نطالب الجمعيات بالكمال ، ثم نستخدم أي خطأ فردي أو حالة معزولة كذريعة لنسف الثقة في قطاع كامل ، هذا ليس حرصاً على المال ، بل ظلم للعمل المؤسسي ، وتشجيع غير مباشر للفوضى، والاجتهادات الفردية غير المنضبطة ، في شهر رمضان، نحن لا نبحث فقط عن أجر الصدقة ، بل عن أمانة إيصالها ، والجمعيات الأهلية ، بما تمتلكه من أنظمة ، وخبرة ، وقرب من المستفيد ، هي الخيار الأكثر أماناً، والأصدق أثراً، والأبعد عن الارتجال ، الثقة لا تُمنح لأن الجمعيات بلا أخطاء ، بل لأنها تعمل بمنهج يقلل الخطأ ، ويكشفه ، ويعالجه ، ولهذا ، ومع كل موسم خير، يجب أن نقولها بثبات: الجمعيات الأهلية… قدّ الثقة، والوجهة الصحيحة لأهل العطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com