الأحساء في حقائب الحنين … حسن الشيخ يروي المكان من خارجه في أمسية أدبية مهنية

أقام سفراء جمعية الأدب بالأحساء أمسية بعنوان (أدباء الأحساء خارجها) للأديب د. حسن الشيخ، وأدارها القاص والإعلامي هاني الحجي، وذلك ضمن فعاليات جمعية الأدب المهنية التي تسلط الضوء على تجارب الأدباء الأحسائيين خارج مدينتهم.

واستهل الشيخ الأمسية بمقدمة عنونها (بحكايتنا مع الأحساء)، تحدث فيها عن العلاقة الوجدانية بالمكان، قائلا: يحدث أن تولد في أرض تحب ترابها، وتعشق نخيلها، وتنمو سنوات عمرك من تميراتها، تعانق خطواتك كل شبر فيها، تعزف مواويل طفولتك على أعتابها، وترسم بفرشاة الذكريات حكايات فرجانها. ثم تكبر فجأة، تتخرج في الجامعة، تقتلعك الحياة لتنتقل للعمل بمدينة أخرى، لكن يظل الحنين لمسقط رأسك يشدك، والذكريات تعيدك لها.

وتحدث الشيخ عن تجربته الروائية، مستعرضًا حضور الأحساء في مجال السرد لديه، حيث تناول بدايةً الحنين والشوق للمكان، مؤكدا أن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية بل ذاكرة وانتماء متجذر في النفس.

وقال: “الوطن هو المكان، والقرية أو الحي أو حتى الشارع الذي عاش فيه الإنسان في طفولته وأحبه، فهو المكان الذي قد تغادره الأقدام لكن القلوب تظل متعلقة به.”

وأضاف: “الأعمال الإبداعية في هذا الجانب من قصص وروايات تناولت موضوعات تتعلق بالمكان والهوية، كما تناولت الحنين إلى الوطن والتضحية في سبيله، وركزت على مرارة الغربة والهجرة وتشكيل الهوية من جديد.”

وأشار إلى أن في الأدب العربي والعالمي عشرات الشواهد من الشعر والرواية بهذا المفهوم، وأن الكتاب كثيرا ما يكتبون الروايات والقصص من خلال إعادة قراءة المكان وإعمال خيالهم الروائي في الأحداث والأمكنة بدافع الحب والشوق.

وأوضح الشيخ قائلا: “قد يكتب الروائي عن حي من أحياء وطنه أو قريته، أو حتى عن شارع، وفي فترة زمنية عايشها بالفعل، وتجد في عمله شوقًا وحنينًا وانتصارًا لهذا الوطن.”

وتابع: “أنا حملتُ الأحساء في حقائبي إلى كل مكان بعيد سافرتُ إليه.”

واستعرض الشيخ بعضًا من أعماله التي تلمس فيها البعد الأحسائي، في روايتين هما رواية (الفوارس) عام 2003م، ورواية (الكوت الكوت) عام 2013م، إلى جانب أعمال قصصية أخرى مثل مجموعة (حافلة الأحساء) و(محطة الهفوف)، التي تضم قصصًا قصيرة مليئة بالحب والشوق والحنين لهذه الأرض.

وعن رواية (الفوارس) قال: “هناك شيء من مفاهيم الحنين للمكان، لأنها تناولت أماكن متعددة وأرخت لتاريخ الأحساء منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن.”

وأضاف: “كتبتُ (الفوارس) بضمير المتكلم، ولذلك تجد تدفقًا عاطفيًا والتصاقًا أكثر بالمكان والزمان الأحسائي القديم.”

وأوضح أن الرواية تضمنت حياة الأحسائيين البسطاء، وتاريخ الأجداد وعاداتهم وتقاليدهم، واعتمد فيها على الذاكرة الشفهية للمجتمع الأحسائي في تلك الفترة.

وتابع: “في (الفوارس) تجد الولع بالمكان، وصراع الطبقات والعوائل، والجوع والفقر، والحياة التي تشكلت في تلك المرحلة.”

ووصفها بأنها سياحة روحية واتساع مكاني من أحياء الأحساء وقراها إلى العجير والرياض وأحياء الدمام القديمة.

أما عن رواية (الكوت) فقال: “لها اتساع زمني ومكاني أيضًا، ومركزها حي الكوت وقرى الأحساء.”

وأضاف أن المكان يسيطر على الرواية، والبطل الحقيقي هو المكان، بينما الأبطال مجموعة كبيرة من الشخوص الأحسائيين.

وتحدث عن شخصية صالح بن شنطوب بن الياهو اليهودي وابنه دواد وابنته مسعودة، مؤكدا أنه تعمد تسليط الضوء عليها، لكون الشخصية اليهودية موجودة في التراث الشعبي الأحسائي وذاكرته الطفولية.

وفي قصة (حافلة الأحساء) عالج الشيخ الحنين والشوق للمكان عبر الموت الجماعي لراكبي الحافلة، حيث تتجلى حكايات الأحسائيين وهم محاصرون وسط الرمال في الدهناء، يعانون الخوف والضجر والعطش والبعد عن الأهل.

وأضاف: “أظن أن قصة (محطة الهفوف) من أجود القصص القصيرة حبكة، وهي تحكي قصة الفتى الأحسائي الذي ترك الأحساء إلى مدينة الدمام بكل تناقضاتها.”

وفي قصة (رائحة المجلس) أشار إلى الترابط بين الشخوص والأمكنة، وأن بطل القصة الحاج محمود يمثل الرابط للأحداث وحكاية مجلسه في حي الفوارس القديم، حيث تتجسد أزمنة الآباء والأجداد ومعاناة تلك السنوات ومقاومة الجوع والفقر.

وختم الشيخ ورقته بالإشارة إلى أن الشخصيات من أهم مكونات العمل الروائي والقصصي، وأن نماذج مثل عماد العامري في (الفوارس) والحاج محمود في (رائحة المجلس) تعكس شخصيات الأحسائيين المثقفين المهمومين بمجتمعاتهم وأوطانهم.

وأكد أن موضوع هذه الروايات والقصص هو الإنسان الأحسائي بكل همومه وأحزانه وطموحه، وبزمانه التاريخي الممتد وبمكانه الأقدم، مضيفا في ختام حديثه: “هذه تجربة الحنين للأحساء في بعض كتاباتي باختصار من وجهة نظر ذاتية.”

وفي ختام الأمسية شكر الشيخ سفراء جمعية الأدب المهنية في الأحساء على هذه الدعوة، فيما سلّم الروائي حسين الأمير شهادة الشكر ودرعًا تكريميًا للضيف ومدير الأمسية تقديرا لمشاركته وإثرائه المشهد الثقافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com