في أمسية ثقافية نظمتها جمعية محتوى: الأحساء وحكاية المكان.. من المحش والصخيين إلى أرامكو

أكد الباحث في التاريخ الشمولي للجزيرة العربية، الدكتور عبداللطيف العفالق، أن العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة متشابكة تتجاوز الجغرافيا، لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، موضحًا أن المكان ليس مجرد حيز يعيش فيه الإنسان، بل عنصر أصيل في تشكيل هويته وذاكرته وتاريخه.

جاء ذلك خلال أمسية ثقافية بعنوان «الأحساء وحكاية المكان»، نظمتها جمعية محتوى للإعلام الرقمي، حيث استعرض العفالق رحلة الإنسان في الجزيرة العربية، مبينًا أن التحولات البيئية، ولا سيما التصحر، دفعت الإنسان إلى الانتقال من نمط الصيد والرعي إلى الزراعة، بحثًا عن مناطق غنية بالمياه، ما جعل الواحات محطات رئيسية للهجرة والاستقرار.

وأوضح العفالق أن اكتشاف النفط شكّل نقطة تحول مفصلية في البنية الاجتماعية والاقتصادية للأحساء، حيث غيّر أنماط العمل وأعاد تشكيل الهرم الطبقي داخل الواحة. وأشار إلى أن الفلاحين الذين كانوا يعملون لساعات طويلة مقابل دخل محدود، وجدوا في العمل بشركة أرامكو فرصة أفضل من حيث الأجر وساعات العمل، ما أدى إلى هجرتهم من الزراعة وترك أدواتهم التقليدية مثل «المحاش» و«الصخاخين»، والتوجه إلى مدينة الظهران، الأمر الذي أحدث تحولات اجتماعية عميقة داخل المجتمع الأحسائي.

وبيّن العفالق أن فهم تاريخ الإنسان لا ينفصل عن فهم بيئته الجيولوجية، موضحًا أن «الدرع العربي» منطقة صخرية غنية بالمعادن لكنها محدودة الموارد المائية، بينما يمتد شرقًا «الرف العربي» بوصفه منطقة رسوبية تتغذى مائيًا من الأمطار الساقطة على الدرع العربي، ما أدى إلى تشكّل منظومة مائية ضخمة عبر ملايين السنين. وأكد أن الأحساء تقع في أدنى مناطق هذا الرف، وهو ما أسهم في تفجر عيونها المائية بشكل استثنائي نتيجة ما يعرف بـ«الدفع الهيدروليكي».

وكشف العفالق عن دراسة أعدتها شركة «واكوتي» النمساوية، المصممة لمشاريع الري في الأحساء، أوضحت أن إنتاج «عين الخدود» وحدها كان قادرًا على تلبية احتياجات مدن كبرى مثل الرياض وجدة والدمام مجتمعة، مؤكدًا أن هذا الثراء المائي كان العامل الرئيس في جذب الهجرات البشرية من مناطق الشح نحو الواحة.

وأشار إلى أن موقع الأحساء القريب من البحر، إلى جانب وفرة إنتاجها الزراعي، جعلها مركزًا اقتصاديًا مهمًا قبل عصر النفط، حيث كانت تصدر أكثر من 60% من تمورها عبر ميناء العقير، ما جذب حضارات عدة مثل فارس والهند والعراق للمقايضة والتبادل التجاري في أسواقها.

وبيّن العفالق أن الواحة استطاعت عبر تاريخها الطويل استيعاب الوافدين من البيئات الصحراوية المحدودة الموارد، وإعادة دمجهم في أنشطتها الزراعية والصناعية والخدمية، ما أسهم في تنوع سكاني انعكس على اللهجات والعادات، مع احتفاظ بعض القبائل بخصائصها اللغوية، في حين أثّرت بيئة الوفرة واللين في تهذيب الطباع واللهجات بمرور الزمن.

وفي سياق السمات الشخصية، قارن العفالق بين إنسان بيئات الشح الذي تسوده المخاوف من نقص الموارد، وإنسان الأحساء الذي نشأ في بيئة الوفرة، ما أكسبه الهدوء والمسالمة والصبر والتخطيط بعيد المدى، وهو ما يتجلى في ارتباطه بالنخلة وطول دورة عطائها، إضافة إلى النبوغ العلمي الذي عُرف به علماء الأحساء في مجالات مثل الفلك المرتبط بمواقيت الزراعة.

واختتم الدكتور عبداللطيف العفالق حديثه بالتأكيد على أن الأحساء، وفي ظل رؤية المملكة 2030، تضمن استدامتها عبر مصادر مياه بديلة، أبرزها المياه المعالجة القادمة من مدينة الخبر، بما يسهم في الحفاظ على الواحة رغم تراجع المنسوب الطبيعي. وشدد على أن الإنسان الأحسائي، بعمله ونظامه واجتهاده، يظل أحد أهم عناصر القوة الوطنية، مؤكدًا أن قوة المملكة تنبع أولًا وأخيرًا من إنسانها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com