في الأحساء، يتحوّل العطاء من رجالها إلى هوية مجتمع، لا تُصاغ بالشعارات، بل تُكتب بالأفعال، وتترسّخ بالمبادرات التي جعلت من القيم الإنسانية نهجًا ثابتًا، ومن المسؤولية المجتمعية ممارسة يومية تنبع من عمق الانتماء.
فلم تكن الأحساء يومًا محافظة تكتفي بتاريخها، بل اعتادت أن تصنع حاضرها بأيدي رجالها ونسائها، وأن تحوّل الموروث الأخلاقي إلى مشاريع حيّة تمسّ الإنسان في أدق احتياجاته.
وفي هذا المشهد الإنساني النبيل، تبرز مبادرات أسر الأحساء العريقة ورجال أعمالها ووجهائها ومؤسساتها الإنسانية والوقفية والخيرية بوصفها نموذجًا أصيلًا للمسؤولية المجتمعية الواعية، لا تلك المرتبطة بالمواسم أو الظهور، بل المتجذّرة في الإحساس بالواجب تجاه الإنسان والمكان. مبادرات تجاوزت المفهوم التقليدي للعمل الخيري، لتلامس جوهر التنمية الاجتماعية المستدامة.
لقد أسهمت هذه الأسر عبر رجالها المخلصين ،وهذه المؤسسات عبر عقود طويلة، في إطلاق مشاريع طبية رائدة خفّفت عن المرضى وأسرهم، وأسست لمرافق صحية وخدمات علاجية نوعية، جعلت من الرعاية الصحية حقًا متاحًا لا امتيازًا نادرًا.
كما امتد العطاء إلى القطاع السكني، من خلال مبادرات إنسانية وفّرت المأوى الكريم للأسر الأشد احتياجًا، في صورة تعكس وعيًا عميقًا بمعنى الاستقرار الاجتماعي وأثره في كرامة الإنسان.
وفي التعليم، كانت البصمة واضحة ومؤثرة؛ مدارس، ومنح دراسية، ودعم للطلاب والطالبات الموهوبين ومبادرات تعليمية نوعية آمنت بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقل، وأن بناء الإنسان هو الأساس المتين لأي نهضة تنموية.
ولم تغب المشاريع النوعية المبتكرة التي استجابت لاحتياجات المجتمع المتغيّرة، سواء في مجالات التدريب، أو تمكين الشباب، أو دعم العمل الخيري المؤسسي، بروح عصرية وإدارة احترافية واعية.
وقد نستلهم من ما قدّمته تلك الأسر ورجال الأعمال من عطاءٍ ممتد، عبر المساهمة المباشرة في تمويل مشاريع ملحّة ومهمة، سواء من خلال رجالها المعروفين، أو عبر مؤسساتها الإنسانية والوقفية والخيرية، التي جعلت من العمل المجتمعي نهجًا راسخًا لا اجتهادًا عابرًا.
كما أن هناك أسرًا في مختلف مدن المحافظة، يكنّ لها الأحسائيون كل المحبة والمودة، ويقيّدون في ذاكرتهم ووجدانهم ما قدّمته من خدمات جليلة للإنسان في الأحساء، فبقيت مبادراتهم خالدة في الوجدان والذاكرة، حتى بعد رحيل بعض رموزها، رحمهم الله، إذ ظل أثرهم حاضرًا يشهد بأن العطاء الصادق لا يرحل وإن رحل أصحابه.
وما يميّز هذه المبادرات ليس حجمها فحسب، بل صدقها واستمراريتها، وابتعادها عن الضجيج الإعلامي، إذ جاءت من قناعة راسخة بأن العطاء مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي يكتمل حين ينعكس أثره على محيطه الاجتماعي.
لقد قدّمت أسر الأحساء ورجال أعمالها ومؤسساتها الإنسانية والوقفية والخيرية درسًا عمليًا في أن الثروة حين تقترن بالقيم تتحوّل إلى قوة بناء، وأن الريادة لا تُقاس بالأرباح وحدها، بل بما يُترك من أثر طيب في حياة الناس.
إن هذه الأعمال الجليلة والمبادرات الرائدة تستحق الثناء والتقدير، لا من باب المجاملة، بل لأنها تمثل روح الأحساء الأصيلة، وتؤكد أن هذا المجتمع لا يزال قادرًا على إنتاج نماذج مُلهمة في التكافل والعطاء وصناعة الأمل؛ مبادرات لا تُحسّن واقع اليوم فحسب، بل تجسد مستقبل الغد المشرق .
وأننا ونحن نحمل لهم في نفوسنا التقدير والمحبة والدعاء فأننا نتمنى أن تُكرم كل المبادرات والعطاءات التي قدمت منهم وأن يكون هؤلاء نموذجا يقتدى في البذل والعطاء .
في الأحساء … عندما يتحوّل العطاء إلى هوية مجتمع
