عبدالله السلطان يكتب: العودة بعد انقطاع 

ليست الكتابة فعلاً عابراً ، بل مسؤولية أخلاقية وصوت وعي، وحين يصمت هذا الصوت قسراً ، فإن الصمت لا يكون فراغاً بقدر ما يكون امتلاءً بالتجربة والأسئلة المؤجلة.

انقطعتُ عن كتابة المقالات الاجتماعية والتنموية لأكثر من عقد، لا لأن القناعة خبت، ولا لأن القلم جف، بل لأن الطريق أصبح أكثر وعورة مما توقعت.

في مرحلةٍ سابقة، كنت أكتب عن المجتمع، عن التنمية، عن العمل الخيري بوصفها قضايا عامة، تمس الجميع وتستحق النقد والتقويم، غير أن بعض ما كُتب قُرئ بعيون ضيقة، وشُخّصت فيه الأفكار، وحُمّلت النوايا ما لم تحتمل، حتى بات المقال في نظر البعض مرآةً لأشخاص لا موضوعات، ورسالةً موجهة لا رؤيةً مطروحة.

تكرار هذا الفهم المُربك خلق مساحة من التردد، ليس خوفاً من النقد ، فالنقد جزء أصيل من أي حراك فكري، بل خشية أن تتحول الكتابة من أداة بناء إلى ساحة تأويل وصراع شخصي، وهو ما لا يتسق مع جوهر الكتابة المجتمعية التي آمنت بها يوماً وما زلت.

اخترت الصمت حينها، لا هروباً، بل مراجعة. كان انقطاعاً ظاهرياً، لكنه في العمق كان مرحلة تعلّم، وإنصات، واشتباك هادئ مع الواقع من زوايا أخرى. عملتُ في الميدان، واقتربت أكثر من تفاصيل المجتمع، وأكملت دراساتي العليا، واكتشفت أن القضايا التي كنا نكتب عنها لم تتغير كثيراً، بل ازدادت تعقيداً، وأصبحت أحوج ما تكون إلى طرح متزن ومسؤول.

واليوم، أعاود الكتابة بعد أكثر من عقد، وأنا أكثر نضجاً، وأعمق فهماً، وأشد يقيناً بأن الصمت الطويل لا ينبغي أن يكون خياراً دائماً، فالقضايا الاجتماعية والتنموية والعمل الخيري ليست ملكاً لأحد، ولا يجوز اختزالها في أشخاص أو حساسيات آنية، هي شأن عام، ومسؤولية فكرية، ومساحة حوار يجب أن تبقى مفتوحة.

عودتي للكتابة ليست تحدياً لأحد، ولا رداً على أحد، بل استجابة لحاجة ملحّة، حاجة المجتمع إلى نقاش واعٍ، وإلى طرح يفرق بين الفكرة وصاحبها، وبين النقد والتجريح، وبين الإصلاح والتشخيص.

سأكتب من جديد، لا لأن الطريق أصبح أسهل، بل لأن التجربة علمتني أن القيمة الحقيقية للكتابة لا تُقاس بمدى القبول، بل بصدق الرسالة، ونبل الغاية، وأثرها على المدى البعيد.

هذه ليست عودة إلى الوراء، بل خطوة إلى الأمام… بقلمٍ أكثر هدوءاً، ورؤيةٍ أوسع، وإيمانٍ راسخ بأن الكلمة المسؤولة ما زالت قادرة على إحداث الأثر، والعودة للكتابة هي مشروع كتاب يحكي قصة من الذي كسر قلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com