مهرجان البشت الحساوي… وتأثيرٌ يتجاوز الاحتفاء

في الأحساء، حيث لا يُنظر إلى التراث بوصفه ذاكرةً ساكنة، بل كهوية نابضة قابلة للتجدد، يبرز مهرجان البشت الحساوي بوصفه مبادرة ثقافية تحمل بُعدًا أعمق من مجرد الاحتفال بموروث عريق.

هو مساحة تلتقي فيها الحرفة بالتاريخ، والهوية بالإبداع، والاقتصاد بالثقافة.

لقد أسهمت النسخ السابقة من المهرجان في إعادة تسليط الضوء على البشت الحساوي كرمز اجتماعي وثقافي ارتبط بالمكان والإنسان والمكانة، وأكدت أن هذه الصناعة ليست مجرد منتج تقليدي، بل نتاج معرفة متراكمة، وذائقة فنية، وقيم متوارثة.

وكانت تلك النسخ بمثابة حجر الأساس الذي أعاد تعريف البشت الحساوي في الوعي العام، وربطه بسياقه الحضاري الحقيقي.

أما البُعد الذي يمنحه المهرجان، فيكمن في تحويل الحرفة من نطاقها الضيق إلى فضاء ثقافي أوسع، يُعيد الاعتبار للحرفي بوصفه صانع أثر لا مجرد منفذ عمل، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف على هذا الموروث من زاوية معاصرة.

فالمهرجان هنا يؤدي دورًا تعليميًا وتوعويًا، يسهم في ترسيخ مفهوم الهوية والانتماء، ويعزز الاعتزاز بالصناعات الوطنية.

وتتجلى القيمة الحقيقية للمهرجان في أثره الاقتصادي والاجتماعي، حيث يفتح آفاقًا لدعم الحرفيين، وتنشيط السوق المحلي، وربط المنتج التراثي بوسائل وطرق التسويق الحديثة، بما يضمن استدامة الحرفة واستمراريتها. كما يمنح المهرجان البشت الحساوي حضورًا لائقًا في المشهد السياحي والثقافي، ويجعله عنصر جذب يعكس خصوصية الأحساء وتميزها.

أما التأثير، فيتجاوز زمن المهرجان ومكانه، ليصنع وعيًا جمعيًا جديدًا بأهمية صون التراث عبر التطوير لا الاستنساخ، وبأن المحافظة على الموروث لا تعني تجميده، بل تمكينه من التطور ضمن إطار يحترم أصالته.

ومن هنا، تتعزز الآمال بأن تشهد النسخة القادمة من المهرجان التي ستقام نهاية الشهر الحالي مزيدًا من الابتكار في الطرح، والتنوع في البرامج، والشراكات التي توسّع دائرة التأثير وتعمّق الأثر الثقافي.

إن مهرجان البشت الحساوي ليس حدثًا عابرًا، بل مشروع هوية، ورسالة ثقافية، واستثمار ذكي في الذاكرة المحلية. ونجاحه الحقيقي يكمن في قدرته على أن يجعل من البشت الحساوي حكاية مستمرة، تُروى للأجيال لا بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل مستقبلًا يُصاغ بخيوط الأصالة والإبداع معًا.

ويُحسب لهيئة التراث ما توليه من اهتمامٍ واضح باستمرار مهرجان البشت الحساوي ودعمه، إدراكًا منها لأهمية هذا الموروث بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية الوطنية. ويأتي اختيار قصر إبراهيم الأثري والتاريخي موقعًا لإقامة المهرجان ليؤكد هذا الوعي، ويبعث برسالة عميقة مفادها أن التراث حين يُحتفى به في فضائه الطبيعي، تتكامل الدلالة، ويتعاظم الأثر، ويغدو الحدث أكثر التصاقًا بالذاكرة والمكان.

فالمهرجان في هذا السياق لا يُقدَّم كفعالية مؤقتة، بل كتجربة ثقافية متكاملة تعكس قيمة البشت الحساوي، وأهمية صونه، والاعتزاز به بوصفه إرثًا حيًا يمتد من الماضي إلى المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com