في الأحساء، حيث تتعانق النخلة مع التاريخ، وحيث لا تزال الأرض تحفظ أسماء من مرّوا بها وتركوا أثرهم في جذوعها، يأتي مهرجان تمور الأحساء المصنّعة بوصفه امتدادًا واعيًا لإرثٍ عريق، وصياغة حديثة لقيمةٍ زراعية واقتصادية تجاوزت حدود المكان لتلامس آفاق العالم. ليس المهرجان مجرّد احتفاء بمنتجٍ محلي، بل مشروع ثقافي وتنموي يعيد تعريف التمر بوصفه صناعة، وهوية، ومستقبلًا.
لقد مثّل المهرجان علامة فارقة في مسار تطوير قطاع التمور، حين انتقل بالاهتمام من الإنتاج الخام إلى التصنيع الذكي، ومن البيع التقليدي إلى سلاسل قيمة متكاملة.
فهنا، تتحوّل التمور إلى منتجات مبتكرة، تتنوّع بين الغذائية والدوائية والتجميلية، في مشهد يعكس وعيًا متقدّمًا بأهمية الاستثمار في المعرفة، وتعظيم العائد من ثروةٍ طبيعية طالما شكّلت عماد الحياة في الأحساء.
ومن أبرز إنجازات مهرجان تمور الأحساء المصنّعة نجاحه في خلق منصة احترافية تجمع المزارعين، والمصنّعين، وروّاد الأعمال، والمستثمرين، في بيئة تشجّع على الشراكات، وتنقل الخبرات، وتفتح نوافذ جديدة للأسواق المحلية والعالمية. كما أسهم في رفع معايير الجودة، وتحفيز الابتكار في التعبئة والتغليف، وتعزيز الهوية التسويقية للتمور الأحسائية، بما ينسجم مع تطلعات الاقتصاد الوطني ورؤية المملكة الطموحة.
ولم يكن التنظيم المتقن وتنوّع الأجنحة والبرامج المصاحبة إلا انعكاسًا لاحترافية عالية، جعلت من المهرجان تجربة متكاملة؛ ثقافية واقتصادية وسياحية. فقد احتضن ورش العمل، واللقاءات المتخصصة، والعروض التعريفية، ليكون مساحة تعلّم بقدر ما هو مساحة عرض، ومنبر حوار بقدر ما هو سوق للمنتج.
أما الطموحات، فهي أكبر من دورةٍ سنوية، وأعمق من أرقامٍ تُحصى. طموح بأن يصبح مهرجان تمور الأحساء المصنّعة مرجعًا إقليميًا لصناعة التمور، ومركزًا للابتكار الزراعي والغذائي، وجسرًا يصل المنتج الأحسائي بالمستهلك العالمي. طموح بأن تتحوّل الأحساء إلى عاصمة للصناعات التحويلية للتمور، تستند إلى تاريخها العريق، وتستثمر في عقول شبابها، وتستشرف مستقبلًا أكثر استدامة وتنوّعًا.
إن مهرجان تمور الأحساء المصنّعة ليس حدثًا سنويًا يتجدد كل سنة، بل رسالة واضحة بأن الأحساء، بنخيلها وإنسانها، قادرة على أن تصنع من جذورها مستقبلًا، ومن تمورها قصة نجاح تُروى للعالم.
هنا، لا تُقطف الثمار فحسب، بل تُصنع الرؤى، ويُغرس الأمل، ويُحصد المجد، وتبقى الأحساء كبيرة وعظيمة بعزيمة وطموح أبنائها وبذلهم وعطائهم، شامخون كشموخ نخلتهم، يتسيد مواقفهم البذل والطموح والعمل.
وختامًا، فإن الشكر والتقدير يمتدان لأمانة الأحساء على ما بذلته من جهود واضحة ومقدّرة في التنظيم والإشراف، وجهودها الحثيثة في إخراج المهرجان بصورة مشرّفة تعكس مكانة الأحساء وقدرتها على إدارة الفعاليات النوعية باحترافية عالية.
فقد كان لحسن التنظيم، ودقة التفاصيل، وتكامل الأدوار، أثرٌ بالغ في نجاح المهرجان وتحقيق أهدافه، وفي توفير بيئة جاذبة للمشاركين والزوار على حدّ سواء.
إن ما تحقق من ثمار تنظيمية وتنموية ليس إلا نتيجة رؤية واعية، وعمل مؤسسي منظم، وإيمان حقيقي بقيمة التمر الأحسائي وبأهمية تحويله إلى قصة نجاح وطنية.
ونتطلع بثقة وطموح إلى نسخة أكثر تميّزًا واختلافًا هذا العام ، تواصل البناء على ما تحقق، وتفتح آفاقًا أوسع للأحساء ونخيلها وصناعاتها.
