في عالم الإعلام، أصبح اللقب أكثر من مجرد اسم أو وصف، صار رمزًا للهوية والمكانة والقدرة على التأثير.
لكن هذه الرمزية لم تعد دائمًا مرتبطة بالاستحقاق الحقيقي، بل كثيرًا ما تحولت إلى مجال للتسويق الشخصي، أو أداة للظهور، أو مجرد “مسميات إعلانية” تعكس صورة أكثر من أن تعكس واقع الأداء.
فوضى الألقاب الإعلامية واضحة في المشهد اليوم. هناك من يُطلق على نفسه “خبير” أو “معلق” أو “صحفي” أو “مؤثر” أو مشهور أو سنابي أو .. دون أن يكون هناك معيار حقيقي يقيس الخبرة أو الالتزام المهني أو مستوى التأثير الفعلي.
كثير من هذه المسميات تتداول بلا تحقق، وتصبح أدوات للظهور، بينما القليل فقط ممن يمتلكون المؤهلات والإنجازات الفعلية يُحتفى بهم حقًا. في هذه الفوضى، فيصبح الجمهور حائرًا، ويضيع الهدف الحقيقي للمسميات الإعلامية، التي من المفترض أن تكون دلالة على المهنية والمسؤولية والثقة، لا مجرد لقب يزين بطاقة تعريفية أو غلافًا إعلاميًا.
الأمر يزداد تعقيدًا حين يمتزج الإعلام بالاستعراض الشخصي والتسويق الذاتي، حيث تُستغل الألقاب لتكريس صورة، بدل أن تعكس واقع الأداء.
هنا يظهر التناقض بين الحقيقة واللقب، بين ما يُعلن عنه وما يُقدّم فعليًا، فتتلاشى مصداقية بعض القنوات أو الشخصيات، ويصبح كل ما يُعرض مجرد “صورة إعلامية” بلا محتوى حقيقي أو تأثير ملموس.
في مواجهة هذه الفوضى، جاء دور الجهات المنظمة والإشرافية، مثل الهيئة العامة تنظيم الإعلام، التي وضعت معايير واضحة لما يُسمى كل لقب، وما يستوجبه من مؤهلات ومعايير.
الالتزام بهذه المعايير ليس مجرد واجب تنظيمي، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه الجمهور، الذي يعتمد على الإعلام لفهم الواقع واتخاذ قراراته وتكوين آرائه.
عندما يكون اللقب مستحقًا وموثقًا، يكون ضمانًا للثقة، وحماية للمتلقي، وتشجيعًا على تطوير الأداء الإعلامي، بدلًا من الاكتفاء بصورة خارجية.
وللأسف، تظل بعض الفجوات قائمة، لأن الالتزام الكامل بالمعايير يحتاج إلى وعي ثقافي ومهني لدى الإعلاميين أنفسهم، وإلى تشديد الرقابة على فوضى الألقاب، لتصبح المسميات الإعلامية أداة للتميز والمسؤولية، لا للظهور الفارغ أو التسويق الشخصي.
كل لقب مستحق يعكس الخبرة، القدرة على التأثير، الالتزام بالمعايير المهنية، والوعي بأهمية الدور الإعلامي في تشكيل الرأي العام، بينما كل لقب غير مستحق يساهم في ضياع المصداقية وتشويش الجمهور.
في النهاية، المسميات الإعلامية أكثر من مجرد كلمات، هي علامات على المهنية، ومسؤولية تجاه الجمهور والمجتمع.
حين تتماشى المسميات مع الاستحقاق الفعلي، يتحقق التوازن بين الصورة والواقع، بين التأثير والمسؤولية، وتصبح كل بطاقة تعريفية وكل لقب إعلامي شهادة على العمل الحقيقي، لا مجرد واجهة للظهور أو أداة للتسويق. الالتزام بالمعايير، والحرص على الاستحقاق، هما السبيل لضمان إعلام موثوق، ومجتمع واعٍ، وثقافة إعلامية تحترم عقل الجمهور وحقه في المعرفة الصادقة.
