أجرَت صحيفة المنصة الأولى حواراً مع الأديب الدكتور راشد خليفة الرحيمان، الحاصل على الدكتوراه في النقد والبلاغة من جامعة الملك فيصل، تحدّث فيه عن حضور الأدب السعودي عربياً وعالمياً، والمعوقات التي تواجه الأدباء، ودور المؤسسات الثقافية، إضافة إلى رؤيته حول المناهج النقدية الحديثة.
هل الأديب السعودي حاضر عربياً وعالمياً؟
ربما نسبياً، مع بعض الأدباء، مثلاً عبده خال حاز جائزة البوكر عن روايته (ترمي بشرر). فالمملكة ليست عبده خال فقط، هناك أسماء كثيرة ومنتج أدبي ضخم بحاجة للالتفات والعناية. كما أننا بحاجة إلى إيصال الأدب السعودي إلى العالمية عن طريق الترجمات وتوفير المكتبات لها للترويج والنشر.
كون المشهد الثقافي في الداخل يشكل 10% تقريباً، ما الذي يؤرق الأديب السعودي؟
الأديب السعودي ما يؤرقه هو عدم الالتفات له والاهتمام به من ناحية إبراز أعماله الأدبية عن طريق النشر والطباعة والترويج. وأعتقد أن وزارة الثقافة الآن تتوجه هذا التوجه عن طريق قنواتها، كما أن على الأدباء أنفسهم السعي لترويج أنفسهم والتعريف بنتاجهم الأدبي والثقافي.
هل المؤسسات الثقافية والأدبية مجحفة ومارست دور الوصاية على بعض الأسماء؟
هذا نجده نسبياً، لكن لا أظن أن المؤسسات الثقافية موصدة أبوابها أمام المثقفين والأدباء، فالرد دائماً أن أبوابها مفتوحة لكل أديب. لكننا نعاني من الحساسية الشديدة لدى بعض المثقفين والأدباء، والتواري خلف الرسميات أو الدعوات الخاصة، وهذا أدى إلى عزوف البعض عن المشاركة في العديد من المناسبات.
هناك إشكالات حالت بين الأديب السعودي ومشاركاته، ما رأيك؟
كل أديب ومثقف لديه أفكار في عقله وقلبه، أما المشاركات فهي مسؤولية المؤسسات والمنصات الثقافية. قد لا يروق للأديب ما يُعرض، لكن المؤسسات غير معنية أن تقدم ما يروق لشخص واحد، ومع ذلك يمكنه الحضور وطرح مقترحاته، وهذا حق مشروع للجميع.
ما الصعوبات التي تواجه الأديب والمثقف؟
هي مثل الصعوبات التي تواجه أي أديب في العالم: هل ستظهر أعماله وتُعرف؟ هل ستصل إلى المتلقي؟ هل ستجد قبولاً من الجمهور؟ كلها تساؤلات طبيعية.
هل المشهد الثقافي غريب الأطوار في التعاطي مع المنتج الأدبي؟
للأسف نعم. أصبح الاهتمام كثيراً بالرواية غثها وسمينها، بل نجد اهتماماً بأعمال لا تصل إلى مستوى عالٍ. وهذا أمر خطير، وهنا يأتي دور المؤسسات في التصدي للمنتج الضعيف وتوجيه الشباب نحو الخيارات المفيدة.
هل العلاقات الشخصية والشللية الأدبية تؤثر في ظهور الأديب أو اختفائه؟
بالتأكيد. أحياناً تكون نافعة وتُظهر أديباً فذاً، وأحياناً تكون سلبية وتظهر من لا يستحق. أما الشللية فهي موجودة ولا تُنكر، لكن لا يجب أن نعمم الاتهام على كل المؤسسات.
هناك ترهل فكري في المنتج الأدبي لدى البعض، ومع ذلك هناك من يصفق ويتبنى، لماذا؟
الترهل قد يكون بسبب ضعف النتاج، أو بسبب توقف الأديب عن الاطلاع والتجديد. الأول لا يبقى وإن أظهروه، والثاني قد يستعيد إبداعه. أما التصفيق لبعض الأعمال فقد يكون من باب التشجيع رغم تحفظي على بعضها.
ما أسباب العزوف عن حضور الفعاليات الثقافية؟
أسبابها كثيرة: الملل، ضعف الوعي، قلة الجاذبية. وعلى المؤسسات أن تستخدم إمكاناتها لجذب الشباب والمثقفين والنقاد.
كثرة المحطات الثقافية وقلة الاستقطاب، كيف تفسر ذلك؟
المحطات الثقافية كما ذكرتِ كثيرة، ولها معايير ظاهرة، ومعايير خفية، ولعل المعايير التي وُضعت في الخفاء هي التي تحدد الاستقطاب والاختيار أكثر من المعايير الظاهرة، ونجد أمثلة كثيرة على ذلك.
بعد تحول النادي الأدبي إلى جمعية، ما الفرق في رأيك؟
الفرق في التوجه، فقد أصبح الاهتمام أكثر بالأدب واللغة العربية، مع تغييرات في الإدارة والموارد المالية. وننتظر تكثيف الندوات الأدبية والنقدية، والبرامج التدريبية لتنمية المواهب وجذب الشباب.
عمر النادي الأدبي في الأحساء طويل وحافل هل تجده خدم الأديب والمثقف الأحسائي تحديدا ؟ ماذا تقول بعد رحيله إن صح التعبير ؟
النادي الأدبي قدم مايستطيع تقديمه للمثقف والأديب الأحسائي، وخدم الكثير من الأدباء في الأحساء، وأيضا الأدباء في الأحساء قدموا الكثير للنادي، وستجد من ينتقد، ومن ينقد، ومن يكيل بالمديح. أقول: لمن قاموا بالمسؤولية في عهد النادي الأدبي شكرا لكم فقد اجتهدتوا وقدمتم مافي وسعكم.
ماهو الابتكار الأدبي من وجهة نظرك حتى نخرج من التقليدية والرتابة؟
الابتكار الأدبي لايكون فقط -كما يقول البعض: في التخلي عند التقليدي – من وجهة نظري ممكن أن تبتكر في الأدب بمساعدة ماهو تقليدي، وتبني عليه بإضافات إبداعية، وهناك من يعتقد أن الابتكار يأتي عندما تتخلى عن تراثك الأدبي وتقتبس من المنتج الأدبي الغربي، لامانع أن تقرأ وتطلع على مالدى الغرب من منتج أدبي وتستفيد منه، فهذه وسيلة أيضا تساعدك في الابتكار والتجديد.
هل الأديب كثير الاعتراض والندب أم أنه من باب خالف تعرف؟
كل أديب مثقف ، وليس كل مثقف أديب، فتجد الأديب مُفكر، لذلك تجده دائما له وجهات نظر في كل مايراه ويسمعه. أيضا مجتمع الأدباء مجتمع نفسيّ، فتجد الأديب يتحسس كثيرا، بالتالي تجده ينظب ويعترض ويطرح أفكاره، ولايخلو المجتمع الأدبي من المعاضين والصدامين لسببين: خالف تُعرف كما قلتِ، أو بسبب عدم تحقيق رغباتهم.
هل الأديب الصدامي يستطيع البقاء؟
الصدامي والمُعارض لن يستطيع الاستمرار في هذا التوجه إن كان لهوى نفسي، فالأديب يطرح منتجه وإبداعه وليس هو من يُحدد جودته الفنية وقيمته الأدبية المتلقي والناقد والمؤسسات الأدبية.
رسالتك الماجستير والدكتوراة في مناهج ونظريات نقدية حديثة وهي: الماجستير في العِرفانية، والدكتوراة في الحِجاج، مارأيك في المناهج الأدبية النقدية الحديثة؟
أولا من المعلوم أن هذه النظريات والمناهج هي غربية، وهي مناهج ونظريات كثيرة نمت وتطورت كالتفكيكية والأسلوبية والتوليدية والسيميائية والتداولية والحجاج والعرفانية وغيرها، ومنها مايتناول النص من الناحية اللغوية ومنها مايتناوله من الناحية البلاغية والأسلوبية، ومنها مايتناوله كوحدة أو ككتلة واحدة ومنها مايتناوله متجزئ، وهذه النظريات والمناهج من وجهة نظري أغلب مافيها موجود في كتبنا وتراثنا النقدي في إشارات أو لمحات، ولكنه مبعثر ومشتت. وفي رسالتي للدكتوراة أصلت لنظرية الحجاج، وما نجده في النظريات عبارة عن مصطلحات غربية حديثة، يتنطع بها بعض النقاد.
هل المناهج النقدية الحديثة سدت الثغرات النقدية بما أن دراستك كانت في نقد النقد من خلال نقاد عرب استخدموا النظريات والمناهج النقدية الحديثة لتطبيقها على نصوص عربية نثرية وشعرية؟
للآسف الكثير من نقادنا يصل إلى حد الانبهار في والتعصب لهذه المناهج والنظريات، وللآسف أيضا نجد من يلغي هذه النظريات ويرى بأنها لاتتناسب نهائيا مع نصوصنا الأدبية، وأنا اقول: لما لا نستفيد منها ونضيف عليها، ولما لا نلملم شتات نقدنا التراثي ونضيف عليه ونطوره ونخرج بنظرية بل نظريات خاصة بنا. وهذا يساعدنا في سد الثغرات النقدية.

