تحوّل العمل من المقاهي في مدينة الرياض إلى ظاهرة متنامية تمثل نمطًا مهنيًا مرنًا، يعكس توجهًا حضريًا جديدًا يتناغم مع متطلبات العصر الرقمي. وتشهد المقاهي في العاصمة تزايدًا في إقبال المهنيين من مختلف القطاعات، مستفيدين من بيئة تجمع بين الراحة والإلهام وسرعة الاتصال.
وباتت الأجهزة الذكية والمحمولة بمنزلة مكاتب متنقلة تدير من خلالها فرق العمل وتُعقد الاجتماعات وتُنجز المهام اليومية من خارج المكاتب التقليدية، في استجابة واقعية لتحولات بيئة العمل المعاصرة، وتسارع وتيرة الحياة المهنية، خاصة بعد تجربة العمل عن بُعد التي فرضتها جائحة كورونا.
ويصف مصعب مقبل، أحد العاملين في القطاع الحكومي، تجربته في العمل من المقاهي بأنها “جزء لا يتجزأ من روتينه المهني”، مشيرًا إلى أن الأجواء المريحة، والهدوء المعتدل، وروائح القهوة، تساهم في زيادة تركيزه وتنظيم وقته بمرونة. أما أمجد مشافي، من القطاع الخاص، فيعتبر المقهى “مساحة تعزز التفكير الإبداعي وتساهم في حل المشكلات”، مضيفًا أن وجود تنوع في الناس والأفكار يخلق بيئة خصبة للتعاون غير الرسمي والفعّال.
من جانب آخر، أوضح أكثم صالح، مسؤول العلاقات في إحدى سلاسل المقاهي بالرياض، أن المقاهي لم تعد أماكن لتناول القهوة فحسب، بل أصبحت مجهزة بكامل الاحتياجات التي تتيح للزوار العمل والاجتماعات والتركيز، مما جعلها تلعب دورًا محوريًا في نمط الحياة المهني الجديد.
ويأتي هذا التحول ضمن سياق أوسع لإعادة تعريف فضاء العمل في الرياض، حيث تتقاطع الخلفية التاريخية للمقاهي كأماكن للتلاقي وتبادل الأفكار، مع المعطيات التقنية الحديثة، لتُعيد المدينة صياغة مفهوم المكاتب التقليدية بما يتماشى مع نمط الحياة العصري.
كما تبنت مؤسسات ثقافية هذا التحول، مثل مبادرة “الشريك الأدبي” التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، مستهدفة تحويل المقاهي إلى فضاءات ثقافية حية، تحتضن الكتّاب والمترجمين والقرّاء في بيئة تتجاوز الطابع الرسمي للفعاليات.
ويُعد هذا التوجه امتدادًا طبيعيًا لصعود العمل الحر والاقتصاد الإبداعي، متأثرًا بتزايد الاعتماد على التقنية، ليشكّل نموذجًا لحياة مهنية مرنة، تحتضنها شوارع المدينة ومقاهيها، بما يعكس حيوية الرياض وتنوّع سكانها، ويجعل من المقاهي مكاتب عصرية مفتوحة، تجمع بين الإنتاجية والراحة.

