محمد العلي.. حين ترثي الأحساء أحد أعمدة ذاكرتها الثقافية

ليس رحيل الكبار حدثًا عابرًا في ذاكرة الأوطان، فثمة أسماء تتجاوز حدود المكان الذي وُلدت فيه، لتصبح جزءًا من هويته ووجدانه، وثمة مبدعون لا تنفصل سيرتهم عن الأرض التي أنبتتهم، مهما اتسعت آفاق تجربتهم وامتد صداها.

ومن الأحساء، الأرض التي احتضنت البدايات الأولى للأديب والمفكر والشاعر السعودي الكبير محمد العلي، وظل وفيًّا لانتمائه إليها، يأتي هذا الرثاء الثقافي محمّلًا بمشاعر الفقد والاعتزاز، حيث يستعيد شعراء وأدباء ومثقفو الأحساء سيرة قامة أدبية وفكرية تركت أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي السعودي والعربي.

لم يكن محمد العلي مجرد شاعرٍ عابر في ذاكرة القصيدة، ولا مثقفًا اكتفى بموقع المتأمل في تحولات مجتمعه؛ بل كان صوتًا تنويريًا أسهم في تشكيل الوعي الثقافي، وفتح بالكلمة أسئلة ظلت تتردد أصداؤها عبر أجيال من الشعراء والكتّاب والمثقفين. حمل في تجربته روح الأحساء وعمقها الثقافي، وانطلق منها إلى فضاءات إنسانية وفكرية أرحب، دون أن يفقد صلته بجذوره ومكانه.

وفي هذه المساحة، لا تأتي الكلمات لتختصر سيرة رجلٍ اتسعت تجربته عن الاختصار، وإنما لتكون شهادات وفاء من أبناء الأرض التي أنجبته، ورفاق الحرف والفكر الذين عرفوه أو قرأوه أو وجدوا في تجربته نافذةً إلى عوالم جديدة من المعرفة والتأمل.

إنها محاولة لاستحضار محمد العلي من خلال عيون محبيه، واستعادة شيء من ضوء تجربته، وتوثيق مكانته في ذاكرة الأحساء الثقافية؛ فبعض الرجال يرحلون عن مجالسنا، لكنهم يظلون في ذاكرة الأمكنة، كأن الأرض التي أنجبتهم تحتفظ بأصواتهم، وتروي حكاياتهم للأجيال.

رحم الله محمد العلي؛ ابن الأحساء الذي اتسعت قصيدته للوطن، وامتد فكره إلى الإنسان، وبقي أثره شاهدًا على أن المبدعين الكبار لا يغادرون أوطانهم ما دامت كلماتهم حيّة فيها.


د. محمود آل ابن زيد يرثي محمد العلي مستحضرًا إرثه الفكري ومكانته الثقافية

للأديب الراحل محمد العلي مكانة في المشهد الثقافي والأدبي السعودي والعربي؛ فقد كان شاعرًا ومفكرًا تجاوزت تجربته حدود الكتابة إلى مساءلة الوعي، واستنطاق أسئلة الإنسان والحياة، وفتح آفاق جديدة للتفكير والتعبير.

لم يكن مجرد أحد رواد الحداثة فحسب ، بل كان صاحب فكر ثقافي اتسم بالعمق والتأمل .

وستظل تجربته حاضرة بما تركته من أسئلة وأفكار ونصوص، فالمبدعون الكبار لا يغيبون برحيل أجسادهم، وإنما يواصلون الحياة في أثرهم وما يوقظونه في عقول الأجيال ووجدانهم.


الضوء لا يفقد 

الشاعر: حسن الربيح

يزدحم عليك الكلام حين يكون من الذاكرة عن ضياء طويل اسمه محمد العلي، ويزدحم عليك أكثر حين يكون الموقف لحظة فقد، والضوء لا يفقدُ بل يظل مسافرًا في الزمان والمكان، وساطعًا في لحظة الموت.

هكذا كان محمد العلي تنويريًّا في الفكر قبل الشعر وعلى أرض الواقع قبل التنظير، ترك أثرًا لا تمحوه رياح الزمن وأودع الأنوار في الكلمة، ولذلك سيمتد أثره إلى أجيال لاحقة.

التحق إلى قائمة المؤثرين الذين ارتحلوا جسدًا، ولكن روحهم ترفرف فوق كل إنجاز إنساني، إنه يذكرنا بالخالدين الأفذاذ كالمتنبي والكنديّ مثالًا.

ارتبطتُ بالعلي منذ أكثر من ثلاثين عامًا قارئًا يحاول أن يلملم شذرات الوعي ويطاردها كصيَّاد في غابةٍ من حجر، فالحياة ضئيلة حين نركن للسكون، وكثيرة حين نفتح نافذة للفكر.

لا يمكن أن تفهم العلي من الزيارة الأولى بالرغم من أنه يُفهمُ، فهو ليس صندوقًا عصيًّا على الفتح، إنه يحرِّض مفاتيحك على أن تجرب وتفتح الصناديق المقفلة.

الصناديق المقفلة تلك الحكاية المختصرة لرحلة الاكتشاف، وتلك الرغبة الملحّة في كسر أقفال المجهول.

بين الشعر والفكر تتأرجح الكلمة، وربما تمتزج بهما وتصبح رمزًا يتكثَّف ويتكشَّف شيئًا فشيئًا على شمعة الوعي.

نم قريرًا أبا عادل، فما زالت ثلَّة تنادم سُخريتك المضيئة التي أطلقتها في طريق الليل.

وأخصكم بقصيدة لم تنشر في ديوانه

إلى زهرة شعر: محمد العلي

أسائلُ:

كيفَ خلقتِ جناحين للقلب

ثمَّ محوتِ الفضاءَ؟

وكيف تركتِ البحارَ

تنادم نبضي

فتدخل فيه

ويدخل فيها

ويشعر في نفسه

أنه دون ماء؟

أسائل:

عن ذلك الليلِ

أوَّلِ ليل

تفتش فيه النّوارسُ عن وكرِها

النّوارس تلك

التي في صحارَى عُرُوقي

وكيف رسمتِ لها

صورةَ البحر

فوق الجدارْ

أينضجُ حتى السراب

بعينيكْ؟

أيا لثغةَ القمرِ الطفل

كنتِ على أهبة

لتعاطي الرؤى المستحيلة

وكنتِ على أهبة للجنون

لماذا تركتِ الجنون

يغرِّر بي

ويريني المحالْ

ثمرًا يتدلّى على شجر

واطئٍ

يتواطأ حولي

فيه الظلالْ؟


جاسم عساكر يرثي محمد العلي في كلمات تستحضر مسيرته الفكرية وإرثه الثقافي.. 

أتقدم في البدء بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة المفكر والشاعر السعودي الكبير محمد العلي وإلى المشهد الأدبي والثقافي على امتداد وطننا العربي والسعودي خاصة، والذي رحل عن عالمنا تاركًا وراءه تجربة ثقافية ثرية تتجاوز حدود الكتابة الشعرية إلى الفكر والوعي الاجتماعي.

وبرحيله، تفقد الثقافة السعودية أحد أصواتها التي آمنت بأن الكلمة مسؤولية، وأن السؤال ومراجعة الأفكار السائدة هو ما يستحق الكتابة عنه.

لقد كان (رحمه الله) صاحب مشروع فكري سعى من خلاله إلى الإسهام في تغيير الوعي الاجتماعي، وفتح آفاق أوسع للحوار والتفكير الحر، لذلك امتد حضوره إلى المشهد الثقافي العربي والسعودي، ليصبح اسمه جزءًا من ذاكرة أجيال متعاقبة، تعود إلى قراءة منجزه وتجربته الفكرية المضيئة.

كان صدرا رحبا لمن زاره، ونهرا ثرا لمن استسقاه، بكل أبهة العظماء وتواضع الكبار، آسرا من غير قيد، متقدا في الحديث، حاضر البديهة، عفوي النكتة، لذلك يتحلق الأحباب حوله بكل تلقائية وارتياح.

رحم الله محمدا العلي، وأسكنه واسع رحمته، وألهم أهله ومحبيه ورفاق دربه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.


الشاعر جاسم الصحيح يرثي محمد العلي مستحضرًا أربعة عقود من الوفاء والإعجاب.. 

أعزي نفسي وأعزي الأسرة الثقافية على امتداد المملكة العربية السعودية في رحيل القامة الشعرية والهرم الفكري الأستاذ الكبير محمد العلي الذي لا يختلف اثنان في أنه أحد تضاريس الوطن الإبداعية على خارطة الثقافة العربية.

سمعتُ باسمه الذي يرنّ في سمع الجيل الثمانيني رنينَ الدينار على قطعةِ رخامة، وابتدأتُ رحلتي مع القراءة له في تلك الفترة الزمنية. وفي بداية التسعينات، قابلته في منزله بالدمام، فوجدته أجمل من كل جميلٍ سمعته عنه، وأروع من كل ثناءٍ قيل فيه. لم يكن في تلك الفترة قد خرج من معركة الحداثة والتقليد، وإنما كان فارسها المدجج بالمعرفة والأمل، ورغم الأمواس الحادَّة التي ابتلعها قُربةً لوجه الكلمة الصادقة، لم ينجرح الناي في صوته، وبقيَ جهوريًّا صادحا يملأ أسماع المشهد كله بصراحةِ سيفٍ مشهورٍ حينا، وحينا آخر بصراحة فستانٍ شفَّاف.

تعمّقت علاقتي به على مدى أربعة عقود، واكتشفت من خلاله كيف تأتي الأبوّة الرمزية للإنسان من الأجيال المتعاقبة، دون أن يسعى هو إليها; وكيف يمكن للمثقف في عمر التسعين أن يكون جزءا من جيلٍ في عمر العشرين; وكيف يمكن للواثق برأيه أن يقف صامدا كالجبل وهو على خطّ استواء القلق; وكيف تستطيع الفطرة السليمة أن تقود بعض البشر إلى خارج السرب بينما يدعوهم المجتمع للانضمام إلى الحظيرة.

الحديث عن الأستاذ أبي عادل ذو شجون، ولكن إذا ما أردنا اختزال هذه الشخصية الاستثنائية العصية على الاختزال، نستطيع أن نقول هو المقاتل الشرس في معركة الوعي الإنساني منذ أن تفتّحت حواسّه على الحياة.


الشاعر زكي السالم يرثي محمد العلي مستحضرًا خلود فكره وأثره في الأجيال.. 

حين يفجؤك نعيُ أديب كبير، وقامة شامخة كأديبنا الكبير أ. محمد العلي؛ تشعر بحالة من فقدان الوعي، وعدم الاتزان، يوصلانك حتمًا إلى حالة من الحزن الكبير فلتجأ فيه إلى تكذيب الخبر كما قال المتنبي:

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ

فزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ.

ولكن هذه الآمال خذلتنا هذه المرة .. إذن مات العلي بفكره الزاخر، وعطائه الكبير، وحضوره المتميز.

فتسأل: هل يحتمل هذا التراب كل هذا الفكر المتسع اتساع مجرة؟!

وهنا تستدعي الجواهري في رثائه الرصافي:

لغز الحياة وحيرة الألبابِ؛

أن يستحيل الفكر محض ترابِ.

رحم اللّه كبيرنا العلي رحمة بحجم ما ترك في الأدب من ثلمة يصعب سدُّها. رحمه اللّه بقدر ما سيُكتب لتراثه من خلود ناصع، وبقاء على مرّ الأجيال. وستبقى ذكراه حاضرةً بقوة في عقولهم، وعبر خيالاتهم؛ كلما قرأوا فكرًا نيّرًا، وسمعوا أدبًا أنيقًا.


عندما تفقد اللغة شاعرًا ما، يخفت نجم من سماواتها

الشاعرة: حوراء الهميلي

سألته: هل الكتابة الإبداعية فعلُ تشظ للذات واحتراق وهدم؟ أم هي فعل تجلٍ وخلق ونمو؟ أم هي محاولة فهم؟ الفهم الذي يدور حول الداخل والخارج؟

أجابني: الإبداع/ طاقة حرة لكنها كامنة في كل فرد منا، كيف نخرج هذه الطاقة وبأي مسار هي ما يحدد كل ذلك.

هكذا أجابني المفكر الكبير رائد الحداثة الأستاذ محمد العلي الذي لم تفقده المملكة العربية السعودية فحسب، بل تنعاه اللغة أيضًا؛ لأن اللغة ربيبة الفكر وأنيسة الوجدان، هكذا كان العلي يحرث في عقولنا بمعول الفهم، ويبذر في وجداننا أشجار المعرفة.

اللغة، سماواتنا الحرة التي نستطيع من خلالها أن نقبض على النجوم، ها هو نجمنا الأبهى يترجل عن سماوات اللغة القصية، لنفتقد علمًا من أعلام الأدب والفكر.

العلي الذي عندما تكون في مجلسه، يتوجب عليك أن توليه كل حواسك، في جلسة استثنائية. منصتًا للكلمة بكل جوارحه، رغمًا عن الأجهزة التي يتنفس ويتحرك بها.

كان ينصت لنجوى الروح وهي تنسرب من أقصى نقطة في المخيلة، لم يكن كالفرزدق الذي خرَّ ساجدًا لأجل صورة شعرية، ولا كالشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي يقف حينما تباغته استعارة، بل كان يتشرب الشعر بكل جوارحه.

استطعت أن أبصر كيف يكون الشعرُ نهرًا ملتمعًا في العيون، وحينما يملا دنان الشعر رأس “العلي” تخرج منه لازمته الشهيرة:

” يا حلو ”

تشعر حينها أنك فزت بإعجاب جمهورك الأعظم!

معه تشعر أنك في ظمأ معرفي لا رواء له، أن الإنسان لا يكون إنسانًا إلا عبر المثاقفة مع الآخر.

اليوم تحديدًا يا فقيدنا الكبير” لا ماء في الماء”

وداعًا ” يا حلو ” !


الشاعر جابر الجميعة يرثي محمد العلي مستذكرًا حضوره الثقافي وأثره الممتد عبر الأجيال.. 

برحيل الأديب الكبير الأستاذ محمد عبدالله العلي تفقد الساحة الأدبية والثقافية في المملكة العربية السعودية والعالم العربي أحد أهم وأبرز مفكريها وشعرائها الكبار

لم يكن العلي عابراً على جيله والأجيال التي تلته وتعلقت به أو فائضاً عن الحاجة في الفعل الثقافي وتكريمه بجائزة الأمير عبدالله الفيصل العالمية عام ٢٠٢٢ م في فرع التجربة الشعرية الكاملة دليل على أهميته ومكانته

أما بخصوص حضوره الصحفي فقد تجلى في مقالاته التي يكسوها بحلته الأدبية ولغته المتجاوزة لكنهِ اللغة فهو كمن يرمم تجاعيد الحياة ويطيل العمر الافتراضي للبشرية

هكذا قرأناه وهكذا تشربناه وانغمسنا في حكاياته اللامتناهية حيث كان يصغي لنصوصنا الشعرية بكل تواضع وأدب وهذا ديدن الكبار

رحل العلي جسداً ولكنه بقي روحاً وأثراً وشعلةً لايمكن للسنين أن تطفئ وهجها أو أن تختطف الوسامة من فكره و رؤاه

رحمك الله يا أبا عادل برحمته الواسعة وعزاؤنا للوطن ولذويه ومحبيه


محمد العلي.. الجدلية الثّقافية المثرية 

الشاعر: علي النحوي

لم يكن محمد العلي علامة تحوّل اجتماعية وثقافية وفكرية في الأحساء فقط بل امتدت إلى أنحاء المملكة والعالم العربي ، كما لم ينحصر أثره على مريديه والمحيطين به بل امتد إلى آفاق أرحب .

حينما نزع عمامته وهو يتلقى الدروس الدينية في النجف غضبت الأحساء كلّها ، لكنه لم يلتفت لسوى ما هو أبعد !!

في هدوء تام تجاوز محمد العلي كلّ من حوله سواء في حوزته أو في قريته وقوبل بتسقيط وهجوم وهمز ولمز ، رمى كل ذلك وراء ظهره وراح يشق طريقا للشعر مغايرا ، وآخر للفكر محرّكا ، وكأنه الصوت الآتي من بعد لينبّه ويوقظ .

لم يصطدم مع من ناوءوه ، ولم يحرص على الظهور والشّهرة ، ولم يركض وراء الجاه والمال ، بل نذر ذاته للكتابة عبر عدد من الجرائد والمجلات ، فكانت مقالاته مقروءة بشكل واسع حتى من أشدّ مخالفيه .

استطاع العلي أن يؤسس لحداثة شعرية وثقافية وفكرية وأن يترك أثرا من خلال كلّ اشتغالاته .

مرّ العلي بتحولات لافتة واعياً جيدا بكلّ مرحلة وقادراً على تجاوزها ، كما إنّه أبقى حبال الود ممتدة مع بعض زملائه في النجف الذين كانوا يحملون كثيرا من أفكاره لكنهم لم ينزعوا العمامة مثله .

تأثر بشعره وفكره طيف واسع من الكتّاب والشّعراء وشكّل مع مجموعة من المبدعين صوتا ثقافيا مؤسّسا لحداثة غير منبتة عن الأصالة التي كان يعتز بها كثيرا .

في المنطقة الشرقية التف به عدد من المثقفين ، ونفر عنه وحاربه عدد آخر ، وتوجّل من التعامل معه أو الإشادة به آخرون ، ومع ذلك بدأ هذا الطوق ينكسر شيئا فشيئا حتّى وجدنا ما يمكن تسميتهم

بـ” المثقفين المؤدلجين ” أي الذين تطغى نزعاتهم الطائفية أو الدينية على ثقافتهم ، رأيناهم يتقربون منه ويحاولون تجاوز عقدهم السّابقة .

لم يكن العلي يجامل أحدا في قناعاته ورؤاه ، ولا يتملق أحدا في كتاباته ، لذا كان عالما مستقلا بذاته معتزا برأيه مكتفيا بعلمه وعقله .

محمد العلي تفتقت عبقريته مبكرا وساعدته على أن يكون قارئا نهما ، وكاتبا منتجا ، مستخدما أسلوبه الأدبي في توصيل أفكاره إلى قرائه وإن شابها شيء من الغموض والرمزية أحيانا .

دار حول العلي وتحولاته جدل واسع أثرى الساحة والمتجادلين حوله ، كما استطاع أن يكسر عددا من دوائر الخوف وأسلاك الممنوع ، وذلك مما استفدته شخصيا منه ، حيث سيطر الخوف على شريحة واسعة ممن يشتغلون في المجال الثقافي وعاشوا حالات من الازدواجية والتناقض ، وذلك ما لم يعرفه بل ما عمل على تحرير من حوله منه .

لم يكن محمد العلي اسما عابرا في ثقافتنا بل كان رقما صعبا وعقلا مؤسسا ، ورؤية ناضجة متجاوزة .


الشاعرة تهاني حسن الصبيح ترثي محمد العلي: يموت الشاعر ولا تموت الكلمة.. 

يموت الشاعر ولا تموت الكلمة ويتلاشى الجسد ولا يتحلل الفكر لأن العلم لا يتآكل أو يسكن ذرات التراب

ومحمد العلي لم يكن شاعرًا يصدّر إلينا القصائد بل كان مفكرًا دائم البحث وكاتبًا متوقد الوعي وعرّافًا لتقصي الشعر ، فتراه دائم الانشغال بالمعنى مستريحًا على شواطئ أية فكرة تدهشه وتستلهم ذائقته ،

التقيته مع وفد نسائي من الشاعرات الصديقات وسمع منّا شعرًا بينما سمعنا منه رؤيةً ولمحنا منه ضوءًا واستنهضنا بأفكاره مستقبلًا ورحيله اليوم في نظري خسارة تستحق الأسف ويليق بها الوجع وعزائي الوحيد إلى كلّ أهله ومحبيه هو أن الشعراء الذين يغيبون لا يموتون طالما أن في كلامهم وحيٌ صادقٌ مخلصٌ للغة وأمينٌ على بقائها ..


محمد العلي .. حين يصبح الغياب سؤالًا

د. معصومة العبد الرضا 

ليس رحيل محمد العلي غيابَ شاعر، بل انطفاءُ صوتٍ ظلّ يراهن على يقظة العقل، وكرامة السؤال، وحقّ الإنسان في أن يرى العالم خارج عتمة المسلّمات.

لقد أدرك أن التنوير ليس معرفةً تُمتلك، بل شجاعةٌ تُمارَس، وأن الكلمة الحقيقية لا تصف العالم فحسب، بل تُعيد مساءلته.

وبوصفي كاتبةً وأديبة، أرى أن خسارة القامات الفكرية لا تُقاس بما تأخذه معها، بل بما تتركه فينا من أسئلةٍ عصيّة على الموت.

رحم الله أستاذنا محمد العلي؛ فالأجساد ترحل، أما الأفكار التي توقظ الوعي، فتبقى حارسةً للضوء في زمن الغياب. عزاؤنا أن الكلمة الحرة لا تُدفن، وأن الأثر الصادق حياةٌ أخرى.


مُحَمَّد العَلِي.. أثَرُ الفراشة لا يُرَى

جابر الخلف

ماذا يبقى من أديبٍ ومفكرٍ بحجم محمّد العِلي، قضى عُمْرًا مَدِيدًا في الكتابة، ولا شك بأنه تركَ “أَثَرًا” محمودا في قُرّائِه ومتابعي أدبه وفكره، وهذا الأثر، لا يحدثُ مصادفةً، أو عَرَضًا، أو فَجْأةً، وإنما يتبلورُ في النُّفوس على مرّ الأيام دون ضوضاء، إنه يُشْبهُ رَفْرَفَة أجنحةِ الفَراشة في خفّته.. وفي عُمْقِه. وقد يكون الأثرُ أكثر عُمْقًا وشفافيةً لدرجةِ لا يُرى؛ لأنّه يجري في “الوَعْي، فهو أكثرُ نفاذًا وجريانًا نحو الجذور.. مثلما قال محمود درويش:

أَثرُ الفَراشِة لا يُرَى

أَثرُ الفَراشِة لا يَزولُ

هذا “الأثرُ” هو ما يَلْمَسُهُ قارئ محمد العلي مفكرًا وشاعرًا.. يَلْمَسُ أنّ أثرًا تركته “اللغةُ” في خِفّتِها وإيجازِها، كما يلمسُ القارئُ أثرًا تركته “الفِكْرةُ” في عُمْقِها وتركيزها.. وهذه القدرةُ على الإيجازِ والعمقِ مُفَارقةٌ مُذْهِلةٌ، وفي ظنّي، فإنّ تفاعلَ هاتينِ السّمتينِ الإيجاز والعُمق معًا، هما المدخلُ لفهم ذلك التأثير الذي يتركه محمد العلي في قرائه ومتابعي كتاباته، فالنشاط اللغويّ جزءٌ لا يتجزّأ من الفكرة، كما أنّ النشاط الفكريّ لديه لا ينفكُّ عن اللغةِ. ويَرجعُ ذلكَ إلى قدرةِ محمَّد العِلي على التّكثيف الشعري، كما هي قدرتُه على الاستقصاء الفكريّ. فما “الأثرُ” الباقي من محمد العلي بعد هذه “الرحلة السندبادية” التي جاب من خلالها الآفاق، وارتاد الأنحاء؟

لقد ترك وعيًا إنسانيًّا، يتراءى في كتاباته، وفي همومه الفكرية، وتأسيسه لمفهوم الوعي بالأشياء والأفكار في لحظتها القائمة؛ ولذا تراه يركز على فهم السياق التاريخي لبحث أي فكرة أو إشكالية، كما يهتم بضرورة وعي الذات لوجودها، والوعي بالطبيعة، أو البيئة.

كما أنه تركَ أثرًا ثقافيًّا، يتمثّل في مقولاته الثقافية التي تركز على مفهوم “المثقف المسؤول”، ونقد الثقافة السائدة، والمثقف -عنده- هو مَنْ يتحمّلُ مسؤوليته أمام مجتمعه؛ ولهذا اختار أن يُعرّفَ بأنّه الذي اجتهد.. وناضل في سبيل “تغيير الفكر الاجتماعي”، وهذا بالنسبة له “يكفي”!!

كما أنه تركَ أثرًا جماليًّا، غايته تأثيث قيمنا الجمالية بالمعنى، وهذا ما يُحسّه قارئُ شِعْره، بل ويحسّه كلُّ مَنْ أصغَى إلى صَوْتِه، حين يُلقي الشِّعْر.. كيف تُزلزِلهُ الدّهشَةُ، ويختلجُ في وجدانه “أثرُ” الإصغاءُ..

كما تركَ أثرًا اجتماعيّا وإنسانيًّا في تواصله مع الأجيالِ، إذ يتواترُ على مجلسِهِ المثقفون والأدباء من مختلف الأجيال، وتُدار عِندَهُ الأفكار والأشعار.. يُصغي إلى الجميعِ، ويصغون إليه؛ حتى إنه ظلَّ متوهجًا ذهنيًّا، يتأججُ إعجابًا بالفكرةِ النيرة، وباللحظة الشعرية المدهشة.. في تحدٍّ ساطعٍ لعوادي السنين..

كما ترك أثرًا نقديًّا جليًّا بحسّه النقدي المرهف، وذائقته الأدبيّة المدربة؛ فلذا تراه منفتحًا على الأشكال الشعرية جميعها، ومتابعًا للأنواع الأدبية كلّها.. وترى أصداء ذلك في كتاباته ومقالاته واستشهاداته واقتباساته.. ولعلّ محاضرته “الحسّ الاجتماعي في الشّعر العربي”، التي ألقاها في جامعة الملك فيصل (1976م)، ومحاضرته “قراءة التراث”، التي ألقاها في نادي جدة الأدبي الثقافي (1978م)، ومحاضرته “الاغتراب: مفهومه وتجلياته المعاصرة”، التي ألقاها في جمعية الثقافة والفنون بالدمام (2019م)، هذه المحاضرات (أمثلةٌ) على رسوخ وعيه النقدي، واتساع رؤيته، وقدرته الباهرة على مناقشة الآراء.. باقتدار الناقد الراسخِ القدم في التراث والحداثة معًا.

هذا هو “الأثر” الباقي من محمد العلي.. إذ فَارقَنا زَمانًا ومكانًا.. فقد بَقِيَ فينا أثرًا.. وَتَرَامَى في التاريخِ خلودًا !!


الشاعر حبيب المعاتيق يرثي محمد العلي مستذكرًا إرثه الفكري ووفاءه للكلمة

لم يكن محمد العلي مجرد شاعر ومثقف، بل كان مشروعًا فكريًا يؤمن بأن الثقافة فعلُ أسئلةٍ ومراجعةٍ وتجديد، سيظل أثره حاضرًا في ذاكرة الثقافة السعودية، بما تركه من منجز إبداعي وفكري، وبما مثّله من شجاعة في التفكير، ووفاء للكلمة.

فرحمة الله عليك يا أبا عادل


محمد العلي.. حين يرحل الجسد وتبقى المدرسة الفكرية حاضرة بقوة 

جعفر عمران 

محمد العلي مدرسة فكرية، تعلّمنا منه الإيمان بالكلمة، والإيمان بالشعر، والصبر. تعلّمنا منه كيف نستمر في حب الأشياء بوفاء وتفانٍ.

حتى في أيامه الأخيرة، وهو في الثالثة والتسعين من عمره، ظل يكتب ويعبّر. وفي كل مرة نقرأ مقالاته في صحيفة «اليمامة»، نشعر بالأمل؛ كيف بلغ هذا العمر، وما زال يحمل قلمًا نشيطًا، وهمًّا متجددًا بالكتابة، بهذه الغزارة وهذا الوعي التام؟

محمد العلي يقرأ، ويناقش، ويشاهد الأفلام، حتى في أيامه الأخيرة.

تعلّم منه جيلان، وعاصره محبو الشعر والقراءة العميقة. ولعل الأهم من ذلك كله أنه علّمنا كيف نتقبّل اختلاف الأذواق؛ فلم يكن يصادر رأي أحد. وحتى عندما كان يُبدي رأيه في مجموعات شعرية أو إصدارات أدبية لا ترقى إلى المستوى أو لا تحقق الشرط الفني، كان يقول رأيه باحترام كبير، أو يلتزم الصمت.

غفر الله له، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

عطاؤه باقٍ وممتد، تتحدث عنه آثاره وشواهده؛ فإن رحل العلي، لا ترحل حروفه.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com