لم تكن علاقة أبي الطيب المتنبي بسيف الدولة الحمداني علاقة شاعر بأمير، ولا صلة مادح بممدوح، بل كانت حكاية استثنائية اجتمع فيها طموح العبقرية بعظمة السلطان، وتداخل فيها الإعجاب بالمحبة، والكبرياء بالوفاء، حتى غدت واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا في تاريخ الأدب العربي؛ علاقة بدأت بالقرب وانتهت بالغربة، وبينهما احترق قلب شاعر لم يكن يريد من الدنيا كلها إلا أن يجد في رجل واحد ما يليق بعظمة أحلامه.
وجد المتنبي في سيف الدولة صورة الأمير الذي طالما تخيله؛ فارسًا يقاتل، وحاكمًا يرعى الأدب، ورجلًا تتسع مجالسه للشعراء والعلماء وأصحاب الرأي. ولم يكن أبو الطيب يرى نفسه مجرد شاعر في بلاطه، بل شريكًا في صناعة المجد، يخلّد بالسيف ما يخلّده هو بالكلمة. ومن هنا نشأت تلك الألفة العميقة التي تجاوزت حدود العطاء والمكافأة إلى شعور بالانتماء، حتى أصبح مجلس سيف الدولة وطنًا معنويًا لشاعر لم يعرف الاستقرار طويلًا.
وفي بلاط حلب، عاش المتنبي أخصب سنوات تجربته الشعرية، حيث كانت المجالس ميدانًا آخر للمبارزة، وكانت المنافسة مع أبي فراس الحمداني وابن خالويه وغيرهما من رجال الأدب واللغة تزيد المشهد توهجًا. هناك لم يكن الشعر ترفًا، بل سلطانًا موازيًا، وكانت الكلمة تُختبر كما تُختبر السيوف، وكان المتنبي يدخل تلك المجالس بكبرياء رجل يعرف منزلته، ويعتقد أن قربه من سيف الدولة ليس منحة، بل استحقاق تفرضه عبقريته.
غير أن المحبة حين تجاور الكبرياء تصبح أشد العلاقات قابلية للاشتعال. فقد كان المتنبي يريد من سيف الدولة أن ينصفه كما ينصف الناس، وأن يميّزه كما تميّزه موهبته، وأن يحفظ له مكانته في وجه الخصوم والحاسدين. وحين شعر بأن الوشاة أخذوا يضيّقون المسافة بينه وبين أميره، خرج من أعماقه ذلك العتاب الذي لا يصدر إلا عن محب جريح:
يا أعدلَ الناسِ إلا في معاملتي
فيكَ الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ
أي مفارقة أشد إيلامًا من أن يكون الرجل الذي تنتظر منه الإنصاف هو نفسه الذي تشكو إليه مظلمتك؟ لقد كان المتنبي يخاصم سيف الدولة لأنه يحبه، ويعاتبه لأنه لم يفقد الأمل فيه، ويحتج عليه لأنه لا يزال يراه أهلًا للعدل والوفاء.
ثم يبلغ العتاب ذروته في بيت يكاد يختصر فلسفة المحبة حين تتحول إلى منافسة على المكانة في قلب المحبوب:
إن كانَ يجمعُنا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ
فليتَ أنّا بقدرِ الحُبِّ نقتسمُ
لم يكن يطلب مساواة في العطاء، بل عدالة في المحبة؛ كأنه يقول إن كانت منزلة الرجال تُقاس بما يكنّونه لك من الوفاء، فأنا أولى الناس بالقرب منك. وهنا يتجلى المتنبي إنسانًا قبل أن يكون شاعرًا، يضيق بأن يزاحمه الآخرون في قلب من أحب، ويؤلمه أن يُعامل كواحد من كثيرين، وهو الذي ظن نفسه استثناءً.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذا الاحتراق قوله:
أُعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً
أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمُهُ ورمُ
إنه لا يخشى خصومه بقدر ما يخشى أن تتبدل نظرة سيف الدولة إليه، وأن تختلط في عين الأمير العبقرية بالادعاء، والوفاء بالتملق، والمكانة الحقيقية بالمكانة المصطنعة.
ثم جاء الرحيل، لا بوصفه انتقالًا جغرافيًا من حلب إلى مصر، بل انكسارًا في علاقة استنفدت أشواقها وآمالها. غادر المتنبي سيف الدولة مغادرة المحب لمن أحب، حين يصبح البقاء إهدارًا للكرامة، ويغدو الرحيل آخر ما يملكه القلب من وسائل الاحتجاج.
وكانت مصر في عهد كافور الإخشيدي محطة جديدة لطموح المتنبي السياسي، لكنه لم يجد فيها ما عرفه في حلب من ألفة الفروسية، ولا ذلك التداخل الفريد بين الشعر والحرب، ولا تلك العلاقة التي جعلت القصيدة امتدادًا لشخصية الأمير والشاعر معًا. لقد وجد في مصر بلاطًا آخر، ولكنه لم يجد سيف الدولة آخر.
وهنا تكمن مأساة أبي الطيب؛ فقد استطاع أن يغادر المكان، لكنه لم يستطع أن يغادر تجربته فيه. ظلّت حلب حاضرة في ذاكرته، وظلّ سيف الدولة معيارًا خفيًا يقيس به الرجال والمجالس. ولعل أصدق ما قاله في تصوير هذه المحبة التي أعياها العتاب:
إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قدروا
ألّا تفارقَهم فالراحلونَ هُمُ
إن الاحتراق شوقًا ليس أن تشتاق إلى من غاب فحسب، بل أن تكتشف أن شيئًا منك قد غادر معه، وأن ما كنت تطلبه من الدنيا لم يكن مالًا ولا جاهًا ولا سلطانًا، وإنما إنسانًا واحدًا يمنح أحلامك معناها.
وهكذا انتهت حكاية المتنبي وسيف الدولة، لا بانطفاء المحبة، بل بعجزها عن احتمال الكبرياء. احترقت الأشواق، واستهلك العتاب ما تبقى من الصبر، وانتهت المجالس التي صنعت مجدًا أدبيًا خالدًا، لكن القصائد بقيت شاهدة على حقيقة إنسانية بالغة القسوة:
قد يغادر الإنسان من يحب حفاظًا على كرامته، لكنه يقضي ما تبقى من عمره يبحث عن شيء من روحه تركه عنده.
محمد بن ناحل
