حين يصبح الإنسان جزءًا من الإصلاح.. في فلسفة المسؤولية الفردية وأخلاق المجتمعات

ليست مأساة المجتمعات في كثرة الأخطاء التي تقع فيها فحسب، بل في اتساع المسافة بين إدراك الخطأ والشعور بالمسؤولية عنه؛ حين يتحول الجميع إلى قضاة على الواقع، ولا يكاد أحد يقبل أن يكون متهمًا في محكمة ضميره. فكلٌّ يشكو فسادًا لا يرى لنفسه نصيبًا فيه، وينتقد سلوكًا قد يمارسه بصيغة أخرى، ويطالب بعالم أكثر عدلًا دون أن يسأل نفسه عن مقدار العدل الذي يمنحه للآخرين.

وهنا تتجلى إحدى أعقد المفارقات الأخلاقية في الاجتماع الإنساني: أن الإنسان قد يكون شديد الوعي بعيوب مجتمعه، لكنه قليل الوعي بمساهمته في صناعتها.

إن صلاح الإنسان ليس امتيازًا تمنحه له بيئة مثالية، ولا فضيلة مشروطة باستقامة الآخرين؛ بل هو موقف أخلاقي مستقل، تتجلى قيمته الحقيقية حين تصبح المغريات أقوى من المبادئ، والمصلحة أيسر من الأمانة، والتبريرات أكثر حضورًا من الضمير. فالاستقامة في مجتمع مستقيم أمر محمود، لكنها في بيئة تضطرب فيها المعايير امتحان أعمق لصلابة الإنسان وصدقه مع ذاته.

ولعل أخطر ما يصيب الوعي الجمعي أن تتحول المسؤولية إلى مفهوم يُطالب به الآخرون، لا التزامًا يبدأ من الذات. ننتقد ضعف الأنظمة ونحن نبحث عن استثناءات منها، ونستنكر المحاباة حين تُمارس ضدنا ثم نستسيغها حين تخدم مصالحنا، ونطالب بالنزاهة في المؤسسات بينما نتسامح مع تجاوزاتنا الصغيرة، وكأن الأخلاق تتغير أحكامها بتغير مواقعنا من المنفعة والضرر.

وهذا الازدواج ليس مجرد تناقض عابر في السلوك، بل خلل في البنية الأخلاقية للوعي؛ لأن الإنسان الذي يمنح نفسه حق الاستثناء يسهم، ولو من حيث لا يدري، في تقويض القاعدة التي يطالب الآخرين باحترامها.

إن الفساد الكبير لا يولد دائمًا في الغرف المغلقة، بل قد تبدأ مقدماته في الضمائر التي اعتادت تبرير المخالفات الصغيرة.

فالموظف الذي يستهين بدقائق العمل، والسائق الذي يستبيح حق غيره في الطريق، والمسؤول الذي يؤخر مصلحة الناس، والفرد الذي يصمت عن ظلم يستطيع دفعه دون ضرر غير محتمل؛ جميعهم، على اختلاف مواقعهم، يشاركون بدرجات متفاوتة في تشكيل المناخ الأخلاقي للمجتمع.

وليست خطورة هذه الممارسات في أثرها المنفرد فقط، وإنما في قابليتها للتكرار والانتشار، حتى تتحول الاستثناءات إلى أعراف، والتجاوزات إلى سلوك مألوف، ثم يصبح الالتزام نفسه مثار استغراب.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: لماذا تراجعت القيم؟ بل كيف سمحنا لهذا التراجع أن يصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا؟.

غير أن تحميل الفرد مسؤوليته لا يعني إعفاء المؤسسات من واجباتها، أو اختزال الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية في ضعف الأخلاق الشخصية. فالدولة مسؤولة عن عدالة الأنظمة وفاعلية الرقابة، والمؤسسات مسؤولة عن النزاهة والمساءلة، والمجتمع مسؤول عن بناء ثقافة تحترم الحقوق والواجبات. لكن هذه المسؤوليات، مهما عظمت، لا تُسقط عن الإنسان مسؤوليته في المساحة التي يملك التأثير فيها.

فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمؤسسات قوية وأفراد يتنصلون من واجباتهم، كما لا يكفي فيه أفراد صالحون داخل منظومات تكافئ التجاوز وتعاقب النزاهة. إنما تنهض المجتمعات حين تتكامل عدالة النظام مع يقظة الضمير، وتلتقي المسؤولية العامة بالاستقامة الفردية.

ومن هنا، فإن قيمة الإنسان لا تُقاس فقط بما يعلنه من مواقف، وإنما بما يلتزمه حين تغيب الرقابة، وبما يمتنع عنه حين تتاح له فرصة الإفلات، وبمقدار ما يستطيع أن ينتصر للحق حتى عندما لا يكون الحق في مصلحته.

فالفضيلة التي لا تظهر إلا أمام الجمهور قد تكون بحثًا عن السمعة، والأمانة التي تتوقف عند حدود المصلحة أمانة منقوصة، والعدل الذي نطالب به لأنفسنا وننكره على الآخرين ليس عدلًا، بل صورة مهذبة من الأنانية.

ولذلك فإن أعمق التحولات الأخلاقية تبدأ حين ينتقل الإنسان من سؤال الاتهام إلى سؤال المسؤولية؛ من «من أفسد هذا الواقع؟» إلى «ما الذي أستطيع إصلاحه فيه؟»، ومن انتظار المبادرة إلى امتلاك شجاعة البدء.

وهذه ليست دعوة إلى مثالية منفصلة عن الواقع، بل إلى ممارسة يومية واعية: أن نحفظ حقوق الناس ولو ضاقت مصالحنا، وأن نحترم النظام ولو غابت العقوبة، وأن نؤدي أعمالنا بإتقان ولو غاب الثناء، وأن نرفض الظلم حين نستطيع دفعه، وأن نجعل من بيوتنا وأعمالنا وعلاقاتنا مساحات صغيرة تتجسد فيها القيم التي نطالب بها في المجال العام.

وفي المعنى القرآني العميق، تأتي القاعدة الإلهية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، لتضع الإنسان أمام مسؤوليته في التغيير، وتربط تحول الأحوال بما يجري داخل النفوس من مراجعة وإرادة وعمل.

إن الأمم لا تنهض بكثرة من يتحدثون عن الفضيلة، وإنما بكثرة من يمارسونها. ولا تتعافى المجتمعات بمجرد ارتفاع أصوات النقد، بل حين يصبح النقد بدايةً للمراجعة، والمراجعة دافعًا للفعل، والفعل سلوكًا متراكمًا يصنع ثقافة عامة.

وليس مطلوبًا من الإنسان أن يحمل أوزار العالم، أو أن يصلح بمفرده ما أفسدته عقود من الاختلالات؛ لكن ليس من حقه أيضًا أن يجعل اتساع المشكلة ذريعة للتخلي عن مسؤوليته المحدودة.

فليس شرطًا أن يكون العالم صالحًا حتى نكون صالحين، وليس شرطًا أن يبدأ الجميع حتى نبدأ نحن.

إن أعظم ما يستطيع الإنسان تقديمه لمجتمعه أن يرفض أن يكون نسخة أخرى من الأخطاء التي يشكو منها، وأن يحافظ على استقامة ضميره في زمن تتكاثر فيه الأعذار، وأن يدرك أن إصلاح العالم لا يبدأ دائمًا بقرار عظيم، بل قد يبدأ بإنسان قرر ألّا يخون قيمة يؤمن بها.

وحين نبلغ هذا المستوى من الوعي، لن يكون السؤال الأهم: متى يصبح مجتمعنا أفضل؟

بل: أيُّ أثرٍ نتركه نحن في المجتمع الذي نريد له أن يكون أفضل؟

فالمجتمعات لا تتغير حين يتبادل أفرادها الاتهامات، وإنما حين يتقاسمون المسؤوليات؛ ولا يبدأ الانحدار دائمًا من فساد الكبار، كما لا يبدأ الإصلاح حصرًا من قراراتهم.

إن أخطر أشكال الفساد أن نعتاد الخطأ حتى نفقد الإحساس به، وأرقى أشكال الإصلاح أن نختار الصواب حتى حين لا يطالبنا به أحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com