الاستدامة في الجمعيات الأهلية ليست خياراً إدارياً أو شعاراً يُرفع في المناسبات ، بل أصبحت ضرورة لضمان استمرار الرسالة الاجتماعية وتعظيم أثرها ، فنجاح الجمعية لا يُقاس بعدد البرامج التي تنفذها خلال عام واحد، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وتنمية مواردها، والمحافظة على كفاءاتها، والالتزام بأنظمتها، وتحويل جهودها إلى أثر مجتمعي مستدام.
في القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تبرز ثلاثة تحديات رئيسية تواجه الجمعيات الأهلية على وجه الخصوص هي: استدامة الموارد المالية ، استدامة الموارد البشرية ، والاستدامة النظامية ، وهي تحديات مترابطة، يؤثر كل منها في الآخر، وتتطلب حلولاً عملية تتجاوز المعالجات المؤقتة إلى بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والتطور.
أولًا: استدامة الموارد المالية .. من الاعتماد إلى التنويع
يمثل التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه الجمعيات الأهلية، لاسيما عندما تعتمد على مصدر واحد للدعم ، أو ترتبط برامجها باستمرار منح موسمية أو تبرعات غير منتظمة، ويؤدي هذا النمط إلى صعوبة التخطيط طويل المدى، ويجعل استمرارية البرامج عرضة للتأثر بأي تغير في مصادر التمويل.
ولا تكمن المعالجة في زيادة طلبات الدعم فحسب، بل في بناء نموذج مالي متنوع ومستدام، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إعداد خطة سنوية لتنمية الموارد ، وتحديد المستهدفات المالية ومصادرها، وبناء شراكات طويلة المدى مع الشركات والمؤسسات المانحة، وتطوير مبادرات قابلة للرعاية والتمويل، إلى جانب تنمية الإيرادات المتوافقة مع الأنظمة ذات العلاقة.
كما ينبغي الانتقال من تقديم طلبات الدعم التقليدية إلى تسويق مشروعات اجتماعية واضحة الأهداف، محددة التكلفة، قابلة لقياس الأثر، فالمانح لا يبحث عن تمويل نشاط فحسب، بل عن شراكة تحقق قيمة مجتمعية ملموسة.
ثانيًا: استدامة الموارد البشرية.. الاستثمار في الإنسان
لا يمكن لأي جمعية أن تحقق الاستدامة دون موارد بشرية مؤهلة وقادرة على تحويل الخطط إلى نتائج، ومن أبرز التحديات صعوبة استقطاب الكفاءات المتخصصة، ومحدودية الموارد المخصصة للتوظيف والتدريب، وارتفاع معدل دوران الموظفين، والاعتماد على أشخاص محددين في إدارة الأعمال والاحتفاظ بالمعرفة المؤسسية.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات بناء بيئة عمل مؤسسية تبدأ بتحديد الاحتياجات الوظيفية، وإعداد أوصاف واضحة للوظائف، وربط التدريب بالاحتياجات الفعلية، وتطوير القيادات البديلة، وتوثيق الإجراءات والخبرات لضمان استمرارية العمل عند مغادرة أي موظف.
كما تمثل إدارة التطوع فرصة مهمة لتعزيز القدرات البشرية، بشرط ألا تقتصر على استقطاب المتطوعين وتسجيل ساعاتهم، بل تشمل تأهيلهم، وتوزيع الأدوار وفق تخصصاتهم، وتقدير جهودهم، وقياس أثر مشاركتهم.
والأهم أن تنظر الجمعيات إلى تنمية الكفاءات باعتبارها استثماراً طويل الأجل، لا تكلفة يمكن الاستغناء عنها عند ضيق الموارد؛ فضعف الاستثمار في الإنسان قد يوفر نفقات آنية، لكنه قد يرفع تكلفة الأخطاء والتعثر مستقبلًاً
ثالثًا: الاستدامة النظامية.. من الامتثال الشكلي إلى الممارسة المؤسسية
تمثل الاستدامة النظامية أساساً لحماية الجمعية وتعزيز الثقة بها، فوجود اللوائح والسياسات وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى ممارسات فعلية تحكم القرارات والإجراءات والعلاقات داخل المؤسسة.
ومن التحديات التي تواجه بعض الجمعيات التعامل مع الحوكمة بوصفها متطلبات تستكمل عند التقييم، بدلاً من اعتبارها جزءاً أصيلاً من الإدارة اليومية، إلى جانب ضعف توثيق الإجراءات، وعدم وضوح المسؤوليات، وتأخر متابعة الالتزامات النظامية.
ويمكن تجاوز ذلك من خلال بناء سجل موحد للالتزامات والمواعيد النظامية، وتحديد مسؤول عن كل التزام، وتحديث السياسات والإجراءات بصورة دورية، وتوثيق قرارات مجلس الإدارة ومحاضر الاجتماعات، وإجراء مراجعات داخلية منتظمة لقياس مستوى الالتزام.
وفي هذا السياق، يمكن تبني قاعدة إدارية بسيطة: «اعتمد، وطبّق، ووثّق، وراجع»، وهي منهجية تساعد على تحويل الحوكمة من وثائق محفوظة إلى ممارسة مستمرة تعزز الشفافية والمساءلة وترفع كفاءة الأداء.
ولا تقع مسؤولية الاستدامة على الإدارة التنفيذية وحدها، فمجلس الإدارة مسؤول عن التوجيه والرقابة، والإدارة التنفيذية عن التخطيط والتنفيذ، والموظفون عن جودة الأداء، فيما يسهم المتطوعون والشركاء في توسيع نطاق الأثر، ومن ثم، فإن الاستدامة تتطلب تكامل الأدوار ووضوح المسؤوليات والعمل وفق أهداف مشتركة.
وللبدء عملياً ، تستطيع الجمعية خلال تسعين يوماً تشخيص وضعها المالي والبشري والنظامي ، وتحديد أبرز ثلاث فجوات تهدد استمراريتها، ووضع خطة لمعالجتها تتضمن مسؤوليات محددة ومؤشرات أداء ومواعيد تنفيذ، على أن تُراجع النتائج دورياً ويُرفع بشأنها تقرير إلى مجلس الإدارة.
ختاماً، إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجمعيات الأهلية ليس في قلة المبادرات، بل في قدرتها على تحويل المبادرات إلى برامج مستمرة، والدعم إلى موارد متجددة، والجهود الفردية إلى خبرات مؤسسية، والالتزام النظامي إلى ثقافة عمل.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل جمعية على نفسها ليس: كم برنامجاً نفذنا؟ ، بل: ماذا سيحدث إذا تراجع التمويل، أو غادر أحد الكفاءات، أو تغيرت الظروف؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف مدى جاهزية الجمعية للمستقبل؛ فالاستدامة ليست مجرد بقاء المؤسسة، وإنما قدرتها على مواصلة رسالتها وصناعة أثرها بكفاءة ومؤسسية، مهما تغيرت الظروف.
