المشاكلة.. حين يبحث الإنسان عن صورته في الآخرين

قال المتنبي:

وَشِبْهُ الشَّيءِ مُنْجَذِبٌ إِلَيْهِ

وَأَشْبَهُنا بِدُنْيانا الطَّغامُ

بهذا البيت يختصر المتنبي فكرة إنسانية أوسع من ظاهر العبارة؛ فالأشياء لا تتجاور دائمًا بالمصادفة، والنفوس لا تتآلف اعتباطًا، وإنما ثمة خيط خفي من المشاكلة يجعل الإنسان أميل إلى من يشبهه في طبعه وفكره وهمته ونظرته إلى الحياة.

فالإنسان، في كثير من اختياراته، لا ينجذب إلى الآخر بقدر ما ينجذب إلى شيء من نفسه يراه فيه: فكرة تشبه فكرته، وطبعًا يوافق طبعه، وطموحًا يوقظ طموحه.

ولهذا قيل: «الشيء يصير إلى شكله».

فالنفوس تتعارف قبل أن تتآلف المصالح، والطباع تلتقط نظائرها بسرعة عجيبة. صاحب الهمة يجد حديثه طويلًا مع صاحب همة، والقارئ يستأنس بالقارئ، وصاحب المشروع يلتقط صاحب المشروع من بين جمع كبير؛ وكأن لكل روح إشاراتها التي لا يلتقطها إلا من يشاركها التردد نفسه.

وقد عبّر الغزالي عن هذا المعنى في حديثه عن «المناسبة والمشاكلة»، وأن شبه الشيء أميل إلى شبهه؛ وهي فكرة تتجاوز الصحبة إلى تكوين الإنسان نفسه. فنحن لا نختار محيطنا فقط، بل محيطنا يعيد تشكيلنا أيضًا.

وهنا تصبح الحكمة الشعرية: «عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه» أعمق من مجرد وصية باختيار الصديق؛ إنها قراءة للإنسان من خلال دوائره. فمن أردت معرفة اتجاهه، فانظر إلى من يطيل الجلوس معهم، وما الذي يقرأه، ومن يتابعه، وما الأحاديث التي تستثير اهتمامه؛ فالمرء يكشف نفسه أحيانًا باختياراته أكثر مما يكشفها بكلامه.

وفي عصر الشبكات الاجتماعية أصبحت المشاكلة صناعة أيضًا. فالخوارزميات تجمع المتشابهين، وتدفع كل إنسان نحو دائرة تشبه ميوله، حتى تتحول الشاشة إلى مرآة متكررة لأفكاره. وهنا تكمن المفارقة: ما كان قديمًا انجذابًا فطريًا بين الأشخاص، أصبح اليوم انجذابًا تعززه التقنية وتضاعفه.

 

لكن للمشاكلة وجهًا آخر؛ فليس كل تشابه محمودًا. كما يجتمع أصحاب الهمم على الطموح، قد يجتمع المحبطون على الإحباط، والمتذمرون على التذمر، وأصحاب الأوهام على تصديق بعضهم بعضًا. فالإنسان لا يرتفع دائمًا بمن يشبهه؛ أحيانًا يغرق معه.

لذلك ليست الحكمة في أن تبحث عمن يشبهك فقط، بل أن تسأل:

أيُّ جزء مني يشبه هؤلاء؟ وإلى أين يقودني هذا التشابه؟

فالصحبة ليست مجرد حضور أشخاص في حياتنا، وإنما بيئة تعيد تشكيل الذائقة والطموح واللغة والنظرة إلى العالم. وكلما طال المقام بين قوم تسللت إلينا بعض طباعهم دون استئذان.

ولعل أعمق ما في المشاكلة أنها تجعل الإنسان مسؤولًا عن دوائره؛ لأن الذين نختارهم اليوم قد يصبحون شيئًا من شخصيتنا غدًا.

فالأشباه لا تتجاذب فحسب؛ بل يعيد بعضها تشكيل بعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com