هذه العمارة جزء من ذاكرتي. سكنت فيها لبضع سنوات ، وكان يسكن فيها مئات المغتربين من جنسيات عربية وغير عربية.
تقع على شارع العنوز في أحد الأحياء الشعبية، بالقرب من الصناعية القديمة، وتحيط بهاأحياء شعبية مثل العود وغبيرة، وقريبة من البطحاء ومنفوحة.
حاولت في هذه العمارة الاقتراب أكثر من عالم المغتربين.
كنت أدعوهم إلى غرفتي للكتابة عن حياتهم وقصصهم، وعن الذكريات التي تركوها خلفهم، وعن الغربة التي يعيشونها هنا.
كانوا يأتون إلى غرفتي، ونتحدث أحيانًا ساعة كاملة، وأنا أستمع لهم للكتابة عن آلامهم.
كنت أظن في البداية أن التجاوب سيكون من المغتربين العرب فقط، لكنني تفاجأت بأن بعض غير العرب ممن يعرفون شيئًا من اللغة العربية، كانوا أيضًا يريدون الحديث عن تجاربهم، ومع الوقت بدأ بعضهم يأتي إليّ من تلقاء نفسه.
أحيانًا أجد ورقة أمام غرفتي مكتوبًا فيها: أريد أن أتحدث معك لتكتب عن قصتي.
بدأت تنتشر في العمارة أن هناك «دكتورًا» يستمع إلى الناس. بعضهم كان يعتقد أنني طبيب نفسي، لأنهم كانوا يأتون ويتحدثون عن مشاكلهم وهمومهم، ويخرجون بعد ذلك وكأنهم أفرغوا مافي دواخلهم.
لم تعد الحكايات تأتي من سكان العمارة فقط.
بدأ بعض العمال المغتربين من الأحياء المجاورة يأتون إليّ يريدون أن أتحدث معهم وأكتب عن حياتهم، لأنهم سمعوا من أصدقائهم عن دكتور أو كاتب في العمارة.
كان بعضهم متحمسًا جدًا لأن تُكتب قصته، رغم أنه قد لا يستطيع قراءة ما سأكتبه باللغة العربية.
كنت أتساءل: لماذا يريد أن تُكتب قصته وهو لن يقرأها؟
ربما لأنه كان يريد أن يشعر أن حياته لم تمر من دون أن يلتفت إليها أحد. كان يريد أن يعرف أن هناك شخصًا سمعه، وأن هناك من يمكن أن يقول للآخرين: هذا الإنسان عاش هنا، وكانت له قصة وحياة وأحلام مؤجلة.
مع كثرة هذه اللقاءات بدأت أشعر أنني مثقل بأعباء إنسانية أكبر من قدرتي على الكتابة. قصص ووجوه كثيرة، وآلام لا أعرف كيف اسكبها على الورق.
أصبحت الوجوه التي كانت تجلس أمامي في الغرفة جزءًا من حياتي. إذا غادر أحدهم العمارة كنت أتألم، وإذا رحل من الرياض كنت أشعر بشيء من الفقد.
حتى بعد أن غادرت العمارة بقيت ذكرياتهم في حقيبتي.
كنت أرى وجوههم في الأسواق والشوارع، وأتخيل أين أصبحوا. ماذا فعل فلان؟ هل عاد إلى وطنه؟ هل ما زال في الغربة؟ هل حقق شيئًا من أحلامه؟ ماذا حدث لعائلته؟ وماذا بقي له من السنوات التي عاشها بعيدًا عن بلده؟
أحيانًا كنت أراهم في المنام.
يعود أحدهم إليّ ويتحدث عن مشكلته، أو يشكو لي شيئًا من حياته، كما كان يفعل عندما كان يجلس أمامي في الغرفة.
هنا فهمت أن الكتابة الحقيقية تبدأ من معايشة هموم الناس.
أن تجلس أمام إنسان وتسمعه وهو يتحدث عن نفسه و ألمه، وعن حياته، يعني أنك تدخل إلى جزء من نفسيته.
أصبحت أشعر أنني لم أعد أستطيع كتابة كل ما سمعته، لأن الوجع أكبر من أن يتحول كله إلى سردية لألام المغتربين.
بقيت هذه الحكايات معلقة بذاكرتي حتى أصبحت أنا بحاجة إلى الكتابة عنها، ليس لأحكي تجربتي مع الوافدين، وإنما لأخفف شيئًا مما بقي عالقًا في داخلي.
هذه العمارة بالنسبة لي لم تكن مكانًا للسكن فقط
كانت مكانًا تعلمت فيه أن وراء كل مغترب حكاية، وأن الإنسان المغترب الذي نراه عابرًا في الشارع يحمل في داخله أحلام مؤجلة.
