في عالم المنظمات غير الربحية، أصبحت الخطط التشغيلية جزءاً أصيلاً من المشهد المؤسسي، تُبنى الجداول، وتُحدد الأهداف، وتُصاغ مؤشرات الأداء، وتُرتب المبادرات، ثم تُعرض الخطة في شرائح أنيقة، ويُعتمدها مجلس الإدارة، وتُوثق ضمن ملفات الحوكمة، ثم ماذا؟.
في كثير من الحالات…تُغلق الخطة في درج، ويبدأ العمل من جديد وكأنها لم تكن، وهنا تكمن واحدة من أكثر الإشكالات المؤسسية التي تواجه المنظمات غير الربحية:الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، فالمشكلة ليست في أن الجمعية لا تملك خطة، وإنما في أن الخطة لا تتحول إلى نظام فعلي لإدارة الأداء واتخاذ القرار والمساءلة.
من الخطأ اختزال الخطة التشغيلية في كونها متطلباً من متطلبات الحوكمة أو وثيقة ينبغي إعدادها في نهاية كل عام، الخطة التشغيلية في جوهرها هي الأداة التي تنقل الاستراتيجية من مستوى الطموح إلى مستوى التنفيذ، فالخطة الاستراتيجية تجيب عن سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟، أما الخطة التشغيلية فتجيب عن الأسئلة الأصعب:ماذا سنفعل؟ ومن سيفعل؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وكيف سنقيس النجاح؟ وماذا سنفعل إذا تعثر التنفيذ؟، وعندما لا تكون هذه الأسئلة حاضرة، تتحول الخطة إلى وثيقة جميلة… لكنها بلا قوة تشغيلية.
ومن أكثر الممارسات التي تضعف الخطط التشغيلية أن تبدأ الجمعية بكتابة قائمة طويلة من المبادرات والفعاليات، ثم تحاول لاحقاً ربطها بالأهداف الاستراتيجية، والصحيح أن الاتجاه يجب أن يكون معكوساً، الاستراتيجية أولًا، ثم الأهداف، ثم المؤشرات، ثم المبادرات، فكل مبادرة ينبغي أن تجيب بوضوح عن سؤال:أي هدف استراتيجي تخدم هذه المبادرة؟، وكل مؤشر يجب أن يجيب عن سؤال:كيف سنعرف أن هذا الهدف يتحقق؟، وكل مشروع يجب أن يرتبط بموارد ومسؤوليات وجدول زمني واضح.
بهذه الطريقة تصبح الخطة التشغيلية امتداداً طبيعياً للاستراتيجية، وليست قائمة منفصلة من الأنشطة، وهنا تظهر أهمية أن تكون الأهداف والمبادرات والمؤشرات متوافقة مع تصنيف الجمعية وتخصصها وأولوياتها.
فليست كل مبادرة جيدة مناسبة لكل جمعية،وليست كل فرصة تمويلية تستحق أن تغير مسار المنظمة، فالجمعية الناجحة لا تسأل فقط:ماذا نستطيع أن ننفذ؟، بل تسأل:ماذا ينبغي أن ننفذ؟، وما الذي يتوافق مع رسالتنا، وتصنيفنا، واحتياج مجتمعنا، وقدراتنا، وأهدافنا الاستراتيجية؟
إن وضوح التصنيف والتخصص يساعد الجمعية على بناء محفظة برامج أكثر تركيزاً، ويمنع التشتت، ويوجه الموارد نحو المبادرات التي تصنع قيمة حقيقية.
والمؤشر الذي لا يقود إلى قرار… ليس مؤشراً كافياً،المؤشرات ليست أرقاماً نضعها في جدول حتى تبدو الخطة احترافية، المؤشر الجيد هو الذي يساعد الإدارة على معرفة موقعها من الهدف، ويكشف الانحراف مبكراً، ويدعم اتخاذ القرار.
هناك فرق بين أن تقول الجمعية: نفذنا 20 برنامجاً، وأن تقول:نفذنا برامج أسهمت في رفع مؤشر محدد لدى فئة مستهدفة بنسبة محددة، فالأول يقيس النشاط، أما الثاني فيقترب من قياس النتيجة والأثر.
ولهذا تحتاج المنظمات إلى الانتقال تدريجياً من ثقافة “كم نفذنا؟” إلى ثقافة “ماذا تغير بسبب ما نفذناه؟”
لذا اعتماد الخطة ليس نهاية التخطيط، بل بداية المساءلة، وهنا يأتي دور مجلس الإدارة، الذي لا ينبغي أن يكتفي باعتماد الخطة، بل أن يتابع مستوى تنفيذها، ويطرح الأسئلة، ويراجع الانحرافات، ويتأكد من ارتباط الموارد بالأولويات الاستراتيجية، كما أن الجمعية العمومية لا ينبغي أن يكون دورها مقتصراً على المصادقة، بل يمكن أن تكون شريكاً في قراءة النتائج ومساءلة الأداء وفق ما تسمح به الأطر النظامية والحوكمية، أما الإدارة التنفيذية، فهي المعنية بتحويل الخطة إلى ممارسة يومية، وربطها بالموازنات، وتوزيع المسؤوليات، ومتابعة المؤشرات، واتخاذ الإجراءات التصحيحية، فالخطة التي لا ترتبط بالمسؤولية والمساءلة، تتحول سريعاً إلى أمنيات مؤسسية.
وقد يعتقد البعض أن نجاح الخطة يعني تنفيذ كل ما ورد فيها حرفياً، وهذا غير صحيح، فالبيئة المحيطة بالمنظمات تتغير،واحتياجات المستفيدين تتطور، والموارد قد تزيد أو تنخفض، وقد تظهر فرص وشراكات لم تكن متوقعة.
لذلك فإن الخطة الجيدة ليست جامدة، وإنما مرنة ومنضبطة في الوقت نفسه، تُراجع، وتُقاس، وتُعدل عند الحاجة، لكن دون أن تفقد ارتباطها بالأهداف الاستراتيجية.
فالانحراف عن الخطة ليس دائماً فشلاً، لكن الانحراف غير المرصود وغير المبرر هو المشكلة.
والخطة التشغيلية الحقيقية ليست تلك التي نخرجها من الملفات في نهاية العام، إنها التي تكون حاضرة في اجتماع الإدارة، وتظهر في قرارات الميزانية، وتحدد أولويات المشاريع، وتوجه جهود الموظفين، وتدعم قرارات الشراكات، وتكشف مبكراً أين نتقدم وأين نتعثر.
ولهذا فإن أفضل اختبار للخطة ليس جمال تصميمها، وإنما سؤال بسيط:كم مرة استخدمتها الإدارة خلال العام لاتخاذ قرار؟، إذا كانت الإجابة: مرة واحدة عند الاعتماد… فلدينا وثيقة، وليس لدينا نظام تشغيل.
المرحلة القادمة في القطاع غير الربحي تتطلب تحولاً في طريقة التفكير، فلم يعد كافياً أن نقول: نفذنا، وأقمنا، وشاركنا، ووزعنا، وأطلقنا، بل يجب أن نسأل: ماذا تحقق؟، من استفاد؟، ما مقدار التغيير؟، هل استُخدمت الموارد بكفاءة؟، هل ساهم البرنامج في تحقيق الهدف الاستراتيجي؟، وهل يمكن إثبات الأثر؟، هذه الأسئلة هي التي تنقل الجمعية من إدارة النشاط إلى إدارة الأداء والأثر.
وأخيرًا…لا تحتاج المنظمات غير الربحية إلى المزيد من الخطط لمجرد زيادة عدد الوثائق، إنها تحتاج إلى خطط أقل تشتتاً، وأكثر ارتباطاً بالاستراتيجية، وأوضح في أهدافها، وأدق في مؤشراتها، وأكثر توافقاً مع تصنيفها، وأشد ارتباطاً بالمساءلة، فالخطة التشغيلية ليست نهاية مرحلة التخطيط، وإنما بداية مرحلة العمل.
والاستراتيجية التي لا تجد طريقها إلى الخطة التشغيلية تبقى طموحاً.
والخطة التشغيلية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تبقى وثيقة.
والتنفيذ الذي لا يُقاس أثره يتحول إلى نشاط.
أما الجمعية التي تربط استراتيجيتها بخططها، وخططها بمؤشراتها، ومؤشراتها بقراراتها، وقراراتها بأثرها… فهي التي تستطيع أن تقول بثقة: نحن لا نخطط فقط، بل نصنع أثراً.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا خطة تشغيلية؟
بل: هل تعمل الخطة التشغيلية من أجلنا… أم أنها تعمل فقط عندما يطلبها المدقق؟
