مدير تنفيذي مع وقف التنفيذ

في كثير من منظمات القطاع غير الربحي، لا تكمن المشكلة في غياب المدير التنفيذي، بل في حضوره الشكلي ، مدير موجود في الهيكل، موقّع على الخطابات، حاضر في الاجتماعات… لكنه عملياً مع وقف التنفيذ.

لم تعد منظمات القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية كيانات تُدار بحسن النية فقط ، ولا مساحات اجتماعية تكتفي بالأنشطة الموسمية والشعارات العاطفية، ومع تسارع التحول الوطني ووضوح مستهدفات رؤية المملكة 2030، أصبحت هذه المنظمات جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية، تُقاس نتائجها، وتُسائل قياداتها، ويُنتظر منها أثر حقيقي ومستدام ، وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المدير التنفيذي يقود المنظمة… أم يدير الوقت فقط؟

أحد أخطر أمراض القطاع غير الربحي هو اختزال دور المدير التنفيذي في كونه “منفذاً لتوجيهات مجلس الإدارة”، أو واجهة إدارية تُدار من الخلف، هذا النموذج لم يعد مقبولاً، بل أصبح سبباً مباشراً في تعثّر كثير من المنظمات ، المدير التنفيذي اليوم ليس مدير تشغيل فقط، بل قائد مسار ، هو من يترجم الرؤية إلى خطط، ويحوّل اللوائح إلى ممارسة، ويقود الفريق نحو الأثر لا نحو التقارير. هو صانع شراكات لا منتظر دعم، قارئ أرقام لا جامع أنشطة، ومدافع عن الحوكمة حتى لو تعارضت مع المجاملات ، أما المدير الذي يكتفي بتنفيذ ما يُملى عليه، دون رأي أو مبادرة أو مساءلة، فهو عملياً مدير مع وقف التنفيذ.

متى يصبح المدير التنفيذي جزءاً من المشكلة؟ ليس كل إخفاق يُعزى إلى ضعف الموارد أو قلة الدعم ، في حالات كثيرة، يكون الخلل في القيادة التنفيذية نفسها ، فحين يُدار العمل بردة الفعل لا بالتخطيط ، وحين تُستهلك الطاقات في أنشطة بلا أثر قابل للقياس، وحين تُدار المنظمة بعقلية فردية لا مؤسسية، وحين يُسايَر مجلس الإدارة على حساب مصلحة المنظمة، ويُقدَّم “الرضا العام” على القرارات المهنية الصعبة ، فالمدير التنفيذي الذي لا يواجه الخلل، ولا يرفع التقارير بجرأة، ولا يطالب بالصلاحيات والأدوات التي تمكّنه من العمل، لا يمكن اعتباره محايداً، هو إما شاهد على الإخفاق… أو شريك صامت فيه.

لا أحد ينكر أن المدير التنفيذي في القطاع غير الربحي يعمل وسط تحديات حقيقية ، تتمثل في تداخل الصلاحيات مع مجلس الإدارة، ضعف الاستقرار المالي والاعتماد على دعم موسمي، نقص الكفاءات وارتفاع دوران الموظفين، تضخم التوقعات مقابل محدودية الإمكانيات، وضغط الامتثال والحوكمة ، لكن الخطورة الحقيقية تكمن في تحويل هذه التحديات إلى ذريعة دائمة ، القائد لا ينكر الواقع، لكنه لا يختبئ خلفه ، من يقبل المنصب وهو غير مستعد لتحمّل كلفته، عليه أن يراجع قراره قبل أن يجمّد المنظمة وهو على رأسها ، فالمدير التنفيذي لا يحمل لقباً شرفياً، بل يحمل عهدة ، عهدة رسالة، وعهدة أموال، وعهدة ثقة مجتمع، وعهدة مستقبل منظمة.

ومع اتساع دور القطاع غير الربحي في تحقيق مستهدفات الرؤية، تتسع دائرة المساءلة، ولم يعد مقبولاً أن تُدار المنظمات بعقلية “نؤدي ما نستطيع” ، إما قيادة واعية، شجاعة، مهنية… أو إدارة مؤجلة بلا أثر ، فالقطاع لا يحتاج مديرين بأسماء كبيرة، بل قادة يعملون بلا وقف تنفيذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com