ليس البشت الحساوي قطعة قماش تُلقى على الأكتاف، بل صفحة من تاريخ الأحساء تُقرأ بالخيوط الذهبية، وحكاية وطنٍ أتقن تحويل الإبرة إلى لغة، والخيط إلى هوية، والحرفة إلى إرثٍ ثقافي تتناقله الأجيال. فمنذ قرون، ظل البشت الحساوي واحدًا من أعرق الصناعات اليدوية في الجزيرة العربية، وعلامةً على براعة الصانع الأحسائي الذي لم يكن ينسج ثوبًا، وإنما كان ينسج مكانةً وهيبةً وجمالًا.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يقترن البشت في الوعي الاجتماعي بالمناسبات الكبرى، وبالعلماء، والقضاة، والأمراء، وكبار المسؤولين، حتى أصبح رمزًا للوقار قبل أن يكون لباسًا، ورمزًا للمسؤولية قبل أن يكون مظهرًا.
غير أن للبشت حكايةً أخرى…
كان لي صديق يعمل في إحدى الوزارات الحكومية، عرفته سنوات طويلة؛ بسيطًا في حديثه، قريبًا من الناس، يبتسم للصغير قبل الكبير، ويستمع أكثر مما يتكلم. ثم شاءت الظروف أن يترقى في السلم الوظيفي، حتى بلغ منصبًا أصبح ارتداء البشت الحساوي فيه جزءًا من حضوره اليومي.
في البداية ظننت أن التغيير لن يتجاوز المظهر، وأن الأمر لا يعدو كونه لباسًا رسميًا يليق بالموقع الجديد. لكن الأيام كشفت لي أن للبشت – أو هكذا تخيل صاحبه – أثرًا يتجاوز الكتف إلى العقل.
فشيئًا فشيئًا، تبدلت المفردات، واختفت لغة الحوار، وحلت محلها لغة الأمر والنهي. وغادرت الابتسامة مكانها لتحل محلها نظرات تتفقد الناس من أعلى إلى أسفل، وكأن البشت قد أضاف إلى قامته أمتارًا لا يراها إلا هو.
عندها أدركت أن المشكلة ليست في البشت، وإنما فيمن ظن أن الهيبة تُلبس، وأن الوقار يُشترى، وأن السلطة تسكن العباءة.
ولذلك أسميت ما أصابه بـ”ضريبة البشت الحساوي”.
إنها الضريبة التي يدفعها بعض الناس عندما يخلطون بين الرمز وصاحبه؛ فيتوهمون أن ما يكسو الأكتاف قد كسا العقول أيضًا. فيتحول المنصب إلى مسافة، والبشت إلى حاجز، والاحترام إلى طلبٍ لا إلى استحقاق.
والحقيقة أن البشت الحساوي بريء من هذه التهمة.
فهو لم يُصنع ليمنح صاحبه شعورًا بالتفوق، وإنما صُنع ليذكره بأن المكانة تكليف قبل أن تكون تشريفًا. ولم يكن يومًا شعارًا للاستعلاء، بل عنوانًا للرزانة، وحسن الخلق، والتواضع.
لقد ارتدى البشت رجال عظام، لكنهم ازدادوا به تواضعًا، لأنهم كانوا يدركون أن قيمة الإنسان لا تصنعها العباءة، وإنما يصنعها عقله، وعدله، وأدبه، ورحمته بالناس.
ويبقى البشت الحساوي شاهدًا على عبقرية الصانع الأحسائي، أما الأخلاق فشأن آخر لا تنسجه الإبرة، ولا يحيكه الخيط، ولا تمنحه الأقمشة مهما بلغت فخامتها.
فالهيبة الحقيقية ليست فيما يلبسه الإنسان، بل فيما يحمله في قلبه وعقله. ومن ظن أن البشت يصنع الرجال، فقد ظلم البشت قبل أن يظلم نفسه.
