في ظل اتساع دائرة العمل الخيري وتنامي المبادرات المجتمعية، لم يعد التبرع مجرد فعل عاطفي عابر، بل أصبح مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا وتنظيمًا وضمانات تحمي المتبرع وتحقق الأثر الحقيقي للمستفيد. ومن هنا جاء شعار «تبرع بأمان» الذي أطلقه المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ليكون علامة ثقة، ورسالة طمأنينة، وإطارًا تنظيميًا يضبط عملية جمع التبرعات في مشاريع الجمعيات الأهلية.
هذا الشعار ليس عبارة تسويقية أو إجراء شكلي، بل هو ضمان حقيقي للمتبرع بأن تبرعه سيصل إلى مستحقيه ضمن مشروع مرخّص، وتحت إشراف ومتابعة الجهة الرسمية المختصة بتنظيم القطاع غير الربحي، وهي المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، الجهة المعنية بإصدار تراخيص جمع التبرعات، ومراقبة تنفيذها، وقياس نتائجها وأثرها.
إن اعتماد هذا الشعار يعكس تحولًا مهمًا في إدارة العمل الخيري، من العشوائية والاجتهادات الفردية إلى العمل المؤسسي المنضبط، حيث لا يُسمح بجمع التبرعات إلا وفق ضوابط واضحة ولوائح معتمدة، تضمن الشفافية، وتحد من الممارسات غير النظامية، وتحمي سمعة العمل الخيري من أي تجاوزات قد تسيء إليه.
وللوصول إلى هذا الترخيص، لا يكفي حسن النية أو أهمية المشروع، بل يتطلب من الجمعيات الأهلية الالتزام بمجموعة من الإجراءات والوثائق النظامية المنصوص عليها في لوائح جمع التبرعات، ومن أبرزها: تحديد هدف المشروع بوضوح، وآلية الصرف، والفئة المستفيدة، وقنوات التبرع المعتمدة، إضافة إلى التقارير المالية، وخطط التنفيذ، وقياس الأثر المتوقع. وهي متطلبات قد يراها البعض عبئًا إداريًا، لكنها في حقيقتها صمام أمان يحفظ حقوق الجميع.
كما أن هذا التنظيم يسهم في رفع مستوى الاحترافية داخل الجمعيات الأهلية، ويعزز ثقة المجتمع بها، ويشجع المتبرعين – أفرادًا ومؤسسات – على دعم المشاريع وهم مطمئنون أن تبرعاتهم تُدار وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية.
إن رسالة «تبرع بأمان» لا تخاطب المتبرع فقط، بل توجّه حديثها أيضًا للجمعيات الأهلية، بأن العمل الخيري اليوم لم يعد يقاس بحجم التبرعات فحسب، بل بمدى الالتزام، وجودة الإدارة، ووضوح الأثر. وكل جمعية تتبنى هذا الشعار عمليًا، إنما تعلن التزامها أمام المجتمع بأنها تعمل تحت مظلة النظام، وتحترم الثقة الممنوحة لها.
وفي الختام، فإن تعزيز ثقافة التبرع الآمن هو خطوة أساسية في بناء قطاع غير ربحي قوي، موثوق، ومستدام، يواكب تطلعات المجتمع، ويسهم بفاعلية في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية. فحين نتبرع بأمان، نحن لا نحمي أموالنا فحسب، بل نحمي قيمة العطاء نفسها.
