ليس من المبالغة القول إن التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع غير الربحي اليوم لم يعد في تأمين الموارد أو توسيع نطاق المبادرات، بل في الجدية في تبني الحوكمة بوصفها ممارسة يومية لا شعاراً موسمياً، فكل حديث عن تعظيم الأثر في ظل حوكمة شكلية هو في حقيقته إعادة تدوير للمشكلات ذاتها، ولكن بلغة أكثر أناقة.
المشكلة لا تكمن في غياب الأدلة الإرشادية أو المعايير التنظيمية، فهي متاحة وواضحة، بل في الفجوة بين ما يُكتب في اللوائح وما يُمارس على أرض الواقع، كثير من الجمعيات تتقن “صياغة الحوكمة” لكنها لا تتقن “العيش بها”، تُعد السياسات، وتُبنى الهياكل، وتُستكمل النماذج، لكن عند لحظة القرار تعود الأمور إلى العلاقات، والاجتهادات الفردية، وتقديرات اللحظة.
الأخطر من ذلك هو استمرار الخلط بين الأدوار، حيث يتوسع بعض مجالس الإدارات في التفاصيل التنفيذية حتى تفقد الإدارة قدرتها على العمل، أو تنكمش أدوارها الرقابية لصالح حضور صوري لا يضيف قيمة، وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: حوكمة غائبة، حتى وإن كانت الوثائق مكتملة.
إن الحوكمة الحقيقية لا تُقاس بعدد السياسات، بل بقدرتها على ضبط القرار، ومنع تضارب المصالح، وتعزيز الشفافية، وتكريس المساءلة، وهي ليست عبئاً على العمل، بل شرط لاحترافيته، ومن دونها، تتحول الموارد – مهما كثرت – إلى أثر محدود، وتبقى المبادرات رهينة المزاج الإداري لا المنهج المؤسسي.
وفي هذا السياق، يأتي تزامن انطلاق مرحلة التقييم الذاتي للحوكمة للعام المالي 2025م ليشكل اختباراً حقيقياً، لا لجاهزية الملفات، بل لصدق الممارسة، فهذه المرحلة لا ينبغي أن تُختزل في سباق لاستكمال النماذج ورفع الدرجات، بل فرصة لمراجعة عميقة وشجاعة تكشف الفجوات، وتعيد تصحيح المسار قبل أن تتحول الملاحظات إلى أزمات.
المؤشرات اليوم لم تعد شكلية، والجهات الداعمة لم تعد تكتفي بالوعود، والمجتمع أصبح أكثر وعياً في مساءلة الأثر، وهذا يعني أن أي جمعية لا تتعامل مع الحوكمة كأولوية استراتيجية ستجد نفسها خارج دائرة الثقة، مهما كانت نواياها أو تاريخها.
وفي المقابل، فإن الجمعيات التي تتبنى الحوكمة بعمق ستجني مكاسب تتجاوز الامتثال، إلى تعزيز الموثوقية، وتوسيع الشراكات، واستقطاب الموارد المستدامة، ورفع كفاءة الأثر. الحوكمة هنا لا تكون قيداً، بل رافعة حقيقية للنمو المؤسسي.
الخلاصة التي لا تحتمل التأجيل: الحوكمة ليست ترفاً، وليست موسماً تنظيمياً، وليست استجابة ظرفية لمتطلبات تقييم. الحوكمة هي معيار الجدية، واختبار النضج، وحدٌّ فاصل بين كيان يُدار كمنظمة، وآخر يُدار كاجتهاد. وفي قطاع يتعامل مع ثقة المجتمع قبل موارده، لا مجال لأنصاف الحلول.
