عندما نتحدث عن مجالس الجمعيات الأهلية فإننا لا نعني مجالس إدارات الجمعيات ، بل نعني الكيانات المستقلة التي أُنشئت لتنظيم القطاع غير الربحي وتمثيله وتطويره، وفي مقدمتها مجلس الجمعيات الأهلية والمجالس التابعة له على مستوى المناطق أو التخصصات ، هذه المجالس تمثل حلقة وصل مؤسسية بين الجمعيات والجهات التنظيمية ، وبين القطاع غير الربحي وبقية القطاعات ، وهي اليوم تقف أمام مرحلة مفصلية تتطلب إعادة تعريف دورها بما يتجاوز التنسيق إلى صناعة التحول.
لقد جاءت فكرة مجلس الجمعيات الأهلية استجابة لحاجة تنظيمية وتنموية في آنٍ واحد ؛ حاجة لتنظيم العلاقة بين الجمعيات وتعزيز تكاملها ، وحاجة لتمكين القطاع من أداء دور أكثر احترافية في التنمية الوطنية، وبصفته كياناً مستقلاً، فإن المجلس لا يمارس دوراً رقابياً تنفيذياً على الجمعيات ، بل يؤدي دوراً تمثيلياً و تطويرياً وتنسيقياً ، يهدف إلى رفع كفاءة القطاع، وتوحيد صوته، وبناء قدراته المؤسسية.
الدور النظامي للمجلس يتمثل في تمثيل الجمعيات أمام الجهات ذات العلاقة، واقتراح المبادرات التطويرية ، ودعم بناء القدرات ، والمساهمة في معالجة التحديات المشتركة، إلا أن الطموح الوطني، في ظل رؤية المملكة 2030، يضع سقفاً أعلى لهذه الأدوار ، فالرؤية تستهدف رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي، وزيادة أعداد المتطوعين، وتعزيز الأثر الاجتماعي، وهي مستهدفات لا يمكن أن تتحقق دون وجود مظلة قيادية قادرة على تنسيق الجهود وتوجيه البوصلة.
ومن هنا، فإن الطموح المنشود من مجلس الجمعيات الأهلية والمجالس التابعة له يتمثل في الانتقال من دور “المنسق” إلى دور “الممكّن الاستراتيجي”، فالمجلس مُطالب بأن يكون منصة لتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، ومختبراً للأفكار والمبادرات النوعية، وجسراً لبناء الشراكات مع القطاعين العام والخاص، وليس مجرد جهة تعقد الاجتماعات أو تصدر التوصيات.
كما أن المرحلة الراهنة تفرض على هذه المجالس تبني أدوات قياس الأداء القطاعي، ورصد المؤشرات العامة لعمل الجمعيات، وتحليل التحديات البنيوية التي تواجهها؛ كضعف الاستدامة المالية، أو محدودية الكفاءات، أو تكرار البرامج ، فالمجلس الطموح هو الذي يقرأ المشهد الكلي، ويقترح حلولاً هيكلية، ويسهم في صياغة سياسات داعمة للقطاع، مستنداً إلى بيانات ومؤشرات لا إلى انطباعات عامة.
وتبرز أهمية المجالس التابعة – سواء على المستوى المناطقي أو التخصصي – في قدرتها على التقاط احتياجات الجمعيات في بيئاتها المحلية، وترجمتها إلى مبادرات عملية، فالتحديات في منطقة قد تختلف عن أخرى، والاحتياجات في الجمعيات الصحية ليست ذاتها في الجمعيات التعليمية أو الاجتماعية، ومن هنا يصبح التكامل بين المجلس المركزي والمجالس التابعة ضرورة لضمان تمثيل عادل وفعّال لمختلف أطياف القطاع.
غير أن الطموح لا يخلو من تحديات. فنجاح هذه المجالس مرهون بقدرتها على المحافظة على استقلاليتها، وتعزيز ثقة الجمعيات بها، وتجنب الازدواجية مع الجهات التنظيمية ، كما أن فاعليتها تتطلب وضوحاً في الصلاحيات، وشفافية في اتخاذ القرار، وآليات تواصل فعّالة مع الجمعيات التي تمثلها.
إن بناء هوية واضحة لمجلس الجمعيات الأهلية كمرجعية تطويرية للقطاع يمثل أولوية ملحة، هذه الهوية يجب أن تقوم على مبادئ الحوكمة، والعمل المؤسسي، والشراكة، والابتكار الاجتماعي، كما ينبغي أن يكون للمجلس دور فاعل في تمكين الجمعيات من الاستفادة من الفرص الاستثمارية، وبناء النماذج الوقفية، وتعزيز ثقافة التطوع الاحترافي، بما ينسجم مع مستهدفات الرؤية.
في المحصلة، فإن الفجوة بين الدور والطموح في مجالس الجمعيات الأهلية ليست فجوة في النصوص أو الهياكل، بل في مستوى المبادرة والتأثير، فحين تتحول هذه المجالس إلى منصات قيادية تستشرف المستقبل، وتبني السياسات القطاعية، وتدعم التكامل، فإنها لا تخدم الجمعيات فحسب، بل تسهم في إعادة تشكيل القطاع غير الربحي ليكون شريكاً تنموياً فاعلاً في تحقيق رؤية المملكة 2030.
إن الرهان اليوم ليس على وجود المجلس بحد ذاته، بل على نوعية الأثر الذي يصنعه. وبين الدور المحدد نظاماً والطموح المأمول وطنياً، تتحدد قيمة هذه المجالس ومكانتها في مسيرة التحول التنموي.
