لماذا لا نكون منصفين؟

في كل مرة نقترب فيها من تجربة جمعية أهلية ناجحة، أو نتأمل مبادرة نوعية أحدثت أثراً ملموساً في المجتمع، نجد خلفها وجوهاً تعمل بصمت، وأسماءً لا تظهر في العناوين، وساعاتٍ طويلة من الجهد غير المرئي، أعضاء مجالس الإدارة، القيادات التنفيذية، والمتطوعون في اللجان المختلفة يشكلون العمود الفقري للقطاع غير الربحي، ويؤدون أدواراً تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الوصف الوظيفي أو الالتزام التطوعي، ومع ذلك، يظل السؤال المؤرق: لماذا لا نكون منصفين في الحكم عليهم؟

العمل في الجمعيات الأهلية ليس ترفاً إدارياً ولا وجاهة اجتماعية كما قد يتصور البعض، بل هو مسؤولية نظامية وأخلاقية ومجتمعية مركبة، عضو مجلس الإدارة يتحمل مسؤوليات الحوكمة، والرقابة، والتخطيط الاستراتيجي، وضمان الامتثال للأنظمة، ومتابعة الاستدامة المالية، أما الجهاز التنفيذي فيدير العمليات اليومية، ويترجم الاستراتيجيات إلى برامج، ويتعامل مع التحديات التشغيلية والمالية والبشرية، في حين تبذل اللجان التطوعية جهداً ميدانياً مباشراً يلامس احتياجات المستفيدين ،هذه المنظومة المتكاملة تعمل غالباً في بيئة مواردها محدودة، وتوقعاتها المجتمعية مرتفعة، ومسؤولياتها النظامية متزايدة.

ورغم هذه التعقيدات، تظهر بين حين وآخر أصوات تتعامل مع العمل الأهلي بمنطق الاتهام المسبق، أو النقد غير المستند إلى معلومات دقيقة، يتم اختزال الجهود في خطأ إجرائي، أو تأخير محدود، أو اجتهاد لم يحقق النتيجة المرجوة، النقد في حد ذاته ليس إشكالاً؛ بل هو ضرورة لتحسين الأداء وتعزيز الشفافية، غير أن الإشكال يكمن في غياب الإنصاف، وفي إطلاق الأحكام دون إدراك للسياق، أو معرفة بالتحديات، أو تقدير لحجم المسؤولية.

الإنصاف لا يعني التغاضي عن الأخطاء، ولا تبرير القصور، بل يعني قراءة المشهد كاملا ًقبل إصدار الحكم، يعني التفريق بين خطأ فردي ومنهج مؤسسي، وبين تقصير عارض وجهد مستمر، كما يعني الاعتراف بأن العمل الأهلي، بحكم طبيعته، يعتمد على البشر، والبشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون، والمؤسسات الناضجة هي التي تبني أنظمة تصحح الخطأ وتمنع تكراره، لا تلك التي تُجلد علناً عند كل تعثر.

من منظور الحوكمة، فإن تحميل مجالس الإدارات أو الأجهزة التنفيذية مسؤولية كل تحدٍ دون تمييز قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: عزوف الكفاءات عن العمل التطوعي أو القيادي في القطاع غير الربحي، فحين يصبح العطاء مقروناً بالتشكيك الدائم، ويتحول الاجتهاد إلى مادة للاتهام، فإن البيئة الطاردة تحل محل البيئة الجاذبة، ونحن في مرحلة وطنية تتطلب تمكين القطاع غير الربحي وتعظيم أثره التنموي، لا إضعافه بخطاب غير منصف.

كما أن من الإنصاف إدراك أن كثيراً من القيادات في الجمعيات الأهلية لا تتقاضى مقابلاً مادياً يتناسب مع حجم الجهد المبذول، بل تدفعها قناعة برسالة الجمعية وأثرها الاجتماعي، هؤلاء يستثمرون وقتهم وخبراتهم وعلاقاتهم لخدمة قضية يؤمنون بها، ومن غير العادل أن يُختزل هذا العطاء في قراءة سطحية أو في تعليق عابر يفتقر إلى الموضوعية.

إن تعزيز ثقافة الإنصاف يتطلب منا جميعاً – داعمين، مستفيدين، إعلاميين، ومهتمين – أن نمارس النقد المسؤول، القائم على المعلومة والتحليل، لا على الانطباع والافتراض، كما يتطلب من الجمعيات في المقابل تعزيز الشفافية، وتوضيح قراراتها، ونشر تقاريرها، وفتح قنوات التواصل مع المجتمع. فالإنصاف طريق ذو اتجاهين: مسؤولية على المؤسسة في البيان، ومسؤولية على المجتمع في التبين.

في النهاية، يبقى العمل الأهلي ركيزة أساسية في البناء الاجتماعي والتنموي. وإذا كنا نطمح إلى قطاع غير ربحي قوي، فاعل، ومستدام، فإن أول ما نحتاج إليه هو بيئة تقدّر الجهد، وتحاسب بعدل، وتنقد بموضوعية، وتشكر بإخلاص. فلنختلف، ولنناقش، ولنقيّم، لكن لنكن منصفين، فالإنصاف ليس مجاملة، بل قيمة أخلاقية ومهنية تحفظ للناس جهودهم، وتمنح المؤسسات فرصتها العادلة للنمو والتطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com