هناك مدن نزورها، وهناك مدن تزور قلوبنا قبل أن نصل إليها… وكانت مكة كذلك تمامًا.
يومان فقط، لكنهما كانا ممتلئين بعمرٍ من الشعور. منذ اللحظة التي وقفت فيها جوار الحرم، وأمام الكعبة المشرفة، شعرت أن كل ما في داخلي يهدأ. التفاصيل الصغيرة التي كانت تشغلني تراجعت، وبقيت أنا ودعائي وقلبٌ يبحث عن صفائه.
أديت العمرة وكأنني أفي بوعدٍ قديم بيني وبين الله.
كان الطواف سكينة تسري في الروح، والسعي خطوة أمل تتجدد مع كل شوط، وكل تكبيرة تفتح باب طمأنينة لا يشبه أي باب آخر.
لحظات إيمانية صادقة، ووقفات تأمل عميقة، شعرت فيها بقربٍ لا يُوصف.
وبين الجموع أدركت معنى أعظم، وجوه من كل لون، وألسنة بلغات متعددة، وثقافات جاءت من أقصى الأرض… ومع ذلك كان المشهد واحدًا: قلوب متجهة إلى قبلة واحدة، وأكف مرفوعة برجاء واحد.
لم تكن اللغة حاجزًا، بل كان الإيمان هو اللغة الجامعة، هنا تذوب الفوارق، وتسقط المسافات، ويبقى الحب في الله رابطًا أقوى من كل اختلاف.
وفي كل ذلك، كان الفخر يملأني بما يقدمه وطني في خدمة ضيوف الرحمن؛ تنظيم دقيق، عناية واضحة، وجهود عظيمة تبذل ليل نهار.
ورجال أمننا البواسل صورة مشرّفة في حسن التعامل، ويقظة عالية، وقدرة لافتة على إدارة الحشود باحترافية وهدوء يعكسان روح المسؤولية والانتماء.
يومان مرا سريعًا… ففي مكة لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعمق الأثر في القلب.
هناك تعيش حالة مختلفة؛ سكينة تسكنك، وطمأنينة ترافقك، وشعور بالقرب يبقى طويلًا بعد الرحيل.
يومان في مكة… لكنها ذكرى تمتد في الروح أكثر مما يمتد الزمن.
الحمد لله على سكينةٍ تسللت إلى النفس، وعلى إيمانٍ ازداد رسوخًا في الروح، وعلى طمأنينةٍ عمرت القلب بعد طول انشغال.
شكرًا لله على ما تحقق من دعاءٍ وأمل، وعلى لحظاتٍ ستبقى أثرًا لا يُنسى.
وشكرًا لوطني العظيم المملكة العربية السعودية، الذي ما زال يقدم لضيوف الرحمن بعطاءٍ صادق، وحبٍ مسؤول، وجهدٍ يتجدد كل يوم ليبقى البيت عامرًا بالأمان والسكينة.
يومان في مكة المكرمة
