عبدالله السلطان يكتب: في عهدة الجمعية العمومية

في منظمات القطاع غير الربحي، لا تُقاس قوة الكيان بعدد مبادراته ولا بحجم موارده فقط، بل بمتانة حوكمته ووضوح من يمسك بزمام المساءلة، وهنا يتجلى دور الجمعية العمومية باعتبارها الجهة الأعلى سلطة، والحارس الأول على سلامة المنظمة واستدامتها، والضامن الحقيقي لأن تعمل وفق رسالتها لا وفق أهواء الأفراد.

فالمنظمة غير الربحية – نظامًا وقيمًا – هي في عهدة الجمعية العمومية، لا في عهدة مجلس الإدارة بحسب نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الصادر عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، حيث تعد الجمعية العمومية أعلى سلطة في المنظمة غير الربحية، وهي الجهة التي تقر السياسات العامة والتوجهات الاستراتيجية، وتعتمد التقارير المالية والإدارية، وتنتخب مجلس الإدارة وتحاسبه وتمتلك صلاحية عزل المجلس أو أي من أعضائه عند الإخلال بالواجبات، وتعتمد اللوائح الداخلية وتعديلات النظام الأساسي.

هذه الصلاحيات ليست للزينة، بل وُجدت لضمان ألا يتحول مجلس الإدارة إلى سلطة مغلقة أو إدارة فوق المساءلة، وللجمعية العمومية ليست عبئًا على المنظمة، بل هي صانعة الولاية، ومنها يستمد مجلس الإدارة شرعيته، وأمامها يُسأل ويُحاسب، ومع ذلك لا تزال بعض الجمعيات العمومية تمارس دورًا شكليًا، يقتصر على الحضور والتصويت الروتيني، وكأنها ضيف شرف في منظمة تملكها نظامًا وأخلاقًا.

مجلس الإدارة ليس كيانًا مستقلًا عن الجمعية العمومية، بل وكيل عنها، يعمل بتفويض محدد، ويخضع للمساءلة، وعندما يُساء الفهم، وتنقلب الأدوار، تصبح المنظمة أسيرة لمجلس إدارة غير خاضع للمحاسبة، أو قرارات فردية تُتخذ باسم “المصلحة” دون تفويض أو شفافية.

الجرأة المطلوبة اليوم من الجمعيات العمومية هي طرح الأسئلة الصعبة دون تردد، ورفض تمرير تقارير غير واضحة أو غير مقنعة، والمطالبة بمؤشرات أداء حقيقية لا إنشائية، ومحاسبة المجلس عند التقصير لا تبريره، والتمييز بين الجهود التطوعية الحسنة وبين الإدارة الرشيدة.

وعلى من يظن أن محاسبة مجلس الإدارة تهديد لاستقرار المنظمة، أن يعيد التفكير؛ فغياب المساءلة هو الخطر الحقيقي، وحين تتراخى الجمعية العمومية في دورها، تتسع الفجوة بين الرسالة والممارسة، وتظهر مشكلات تضارب المصالح، وضعف الشفافية، وتعطّل الأثر.

المساءلة التي تمارسها الجمعية العمومية ليست شخصية ولا تصفية حسابات، بل ممارسة مؤسسية تستند إلى مؤشرات أداء، والتزام بالأنظمة، واحترام مبادئ الحوكمة، وهي لا تعني حسن النية بل وضوح الصلاحيات، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وحماية الموارد.

وعندما تقصر مجالس الإدارات من يتحرك؟ نظاميًا، لا يملك أحد داخل المنظمة سلطة التدخل غير الجمعية العمومية، فهي فقط من لها الحق الأول في التدخل لتصحيح المسار، وأي تهاون من الجمعية العمومية في هذا الجانب يعد إخلالًا مباشرًا بمسؤولياتها، ويعرض المنظمة لمخاطر فقدان الثقة، أو تعليق الدعم، أو التدخل التنظيمي.

وخلاصة القول أن الجمعية العمومية ليست رقمًا في سجل، ولا توقيعًا في محضر اجتماع، بل هي صاحبة العهدة، وحارسة الرسالة، وخط الدفاع الأول عن النزاهة والاستدامة، وكلما كانت الجمعية العمومية واعية، جريئة، ومسؤولة، كانت المنظمة أقوى، وأثرها أعمق، وثقة المجتمع بها أكبر، فالقطاع غير الربحي لا يحتاج مجاملات أكثر، بل يحتاج جمعيات عمومية تعرف أن الأمانة في أعناقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP to LinkedIn Auto Publish Powered By : XYZScripts.com