تم الإعلان عن إطلاق نادٍ أدبي ثقافي في الأحساء برئاسة الأستاذ منذر البراهيم، يستهدف دعم المبدعين وتمكين المواهب الشابة عبر البرامج الثقافية والفكرية، ونشر الوعي الأدبي والثقافي بالمحافظة. إلا أن هذا المسمى لم يمر مرور الكرام على المثقفين والأدباء والمهتمين بالحراك الأدبي والثقافي، حيث شكّل تساؤلات عديدة حول ماهية هذا النادي، وهل هو امتداد للنادي الأدبي في الأحساء سابقًا، خاصة أن مسيرة النادي كانت مليئة بالإنجازات التي استمرت لعقود من الزمان، قبل أن يتم تحويله إلى جمعية أدباء بناءً على الأمر السامي بتحويل الأندية الأدبية إلى جمعيات.
وفي هذا الصدد، ذكر لـ”المنصة الأولى” رئيس النادي الأدبي، منذر البراهيم، أن تسمية النادي الأدبي الثقافي جاءت بعد إجماع المؤسسين وموافقة هاوي على المسمى، ولأنه يخدم أهداف النادي. أما بخصوص اللبس في التسمية، فقد أتى بعد انتشار أخبار عن النادي، وبعد عرض برامجه وفعالياته، وتشكّل هذا اللبس لدى الأغلب، لكنه لم يؤثر على أهداف وتطلعات النادي. وفي كلا الحالتين، فإن النادي والجمعية أهدافهما تخدم المجتمع، ويسعدنا أن نكون أحد الأندية التي تخدم مجتمعنا.

وأوضح أن النادي الأدبي الثقافي تحت مظلة هاوي برقم فسح 9422505712، ويستهدف جميع الفئات العمرية المهتمة بالشأن الأدبي والثقافي والإعلامي والفنون بكل أشكالها الجميلة، إضافة إلى الفعاليات التي تخدم المجتمع وتحتضن الشباب لتوعيتهم وتشجيعهم على تبنّي الحركة الثقافية والأدبية بكل فروعها.
وأهدافه:
• دعم المبدعين وتمكين المواهب الشابة
• تعزيز الهوية الوطنية عبر برامج ثقافية
• بناء شراكات نوعية مع الجهات التعليمية والثقافية
• نشر الوعي الأدبي والثقافي
• توفير منصات حوار مفتوحة تخدم المجتمع
ذكرى وذاكرة
من جهته، صرّح لـ«المنصة الأولى» الدكتور محمود بن سعود آل ابن زيد، رئيس مجلس إدارة جمعية أدباء الأحساء، أن محافظة الأحساء شهدت قبل أيام حفل تدشين «النادي الأحسائي الأدبي الثقافي»، ولا ريب أن هذا الحدث قد يثير لدى بعضهم تساؤلات حول مدى استدعاء هذا الاسم لذكريات «نادي الأحساء الأدبي» التاريخي، وتأثير ذلك على الجمهور والمشهد الثقافي المحلي.

وأضاف: وبصفتي رئيسًا لمجلس إدارة جمعية أدباء الأحساء – التي تحولت عن النادي الأدبي السابق الذي كان يحمل الاسم نفسه – بموجب قرار وزارة الثقافة، لتصبح، كغيرها من أندية المملكة، جمعية أهلية أدبية رائدة بإذن الله، أود أن أذكّر بأن البيئة الأحسائية بيئة غنية ومتنوعة منذ أمد بعيد.
وأشار إلى أن اسم النادي الجديد قد يستحضر في الذاكرة اسم المؤسسة السابقة، لكن المعيار الحقيقي لا يكمن في الأسماء فحسب، بل في تاريخ المؤسسة، وإمكاناتها، وإنجازاتها الماضية والحاضرة، ورؤيتها المستقبلية واستشرافها للآتي.
تنوع أم تشتيت؟
وحول إشكالية تعدد الجهات الأدبية والثقافية، يرى أن هذا التعدد قد يؤدي بالفعل إلى تقليص أعداد الحضور في حال تعارض مواعيد الفعاليات أحيانًا، مما يستدعي الحاجة إلى التنافس الإيجابي والتنسيق قدر المستطاع بين هذه الجهات. كما أنه لا يظن أن هذا التعدد سيؤدي إلى تكرار أو تشابه في المحتوى بشكل ملحوظ، نظرًا لما يتمتع به مثقفو الأحساء وأدباؤها، رجالًا ونساءً، من تنوع معرفي وثقافي كبير يؤهلهم لتقديم عروض مميزة ومختلفة.
واختتم حديثه بقوله: يطيب لي، أصالة عن نفسي ونيابة عن إخوتي وأخواتي في مجلس إدارة جمعية أدباء الأحساء ومنسوبيها، أن أتوجه بأصدق التمنيات بالتوفيق والنجاح لإدارة النادي الأدبي الثقافي الجديد، مؤكدًا أننا جميعًا نسير على طريق واحدة لخدمة الثقافة والأدب في أحسائنا الحبيبة ومملكتنا الغالية، وأن التوفيق بيد الله وحده.
وأضاف: بهذه المناسبة أقول، وكلي تفاؤل وأمل، إن المشهد الثقافي الأحسائي سيظل حاضنة للتجديد والتعدد، حيث تساهم كل جهة بإضافاتها في إثراء الحراك الفكري والثقافي والأدبي، مع ما يفرضه ذلك من ضرورة الحوار والتكامل لتحقيق الأثر الأمثل.
وفيما يخص رأي الدكتور ماهر المحمود، المدير التنفيذي لجمعية أدباء الأحساء، حول تعدد الكيانات الأدبية والثقافية وأثرها في المشهد الثقافي، أوضح أن الإعلان عن مركز أدبي أو تدشين منصة أدبية ثقافية في بيئة واحدة يُعد حدثًا يُسجَّل في سياق الحراك الثقافي المتنامي الذي تشهده محافظة الأحساء، ويعكس شغفًا مشروعًا بالعمل الثقافي، وحرصًا على خدمة الأدب والفكر والمعرفة.

وأضاف: وإذ نثمّن كل جهد صادق يُبذل في سبيل الثقافة، فإن من الواجب، مهنيًا ومؤسسيًا، التوقف عند جملة من التساؤلات المشروعة التي يفرضها الواقع، حرصًا على وحدة الجمهور، وتكامل الجهود، وحسن توظيف الموارد.
أولًا: في مسألة التسمية والذاكرة الجمعية
لا يخفى أن مسمى «نادي أدبي ثقافي» يستدعي في وعي المتلقي الأحسائي الذاكرة التاريخية لنادي الأحساء الأدبي سابقًا، بما يحمله من رصيد رمزي وتجربة مؤسِّسة. ومن ثم، فإن تشابه المسميات قد يُحدث التباسًا لدى الجمهور حول الامتداد المؤسسي والمرجعية، أو إيحاءً بوجود قطيعة أو بديل أو توأمة، ولو لم يكن ذلك مقصودًا، وهو ما يستدعي – من باب الحوكمة الثقافية – وضوحًا أكبر في الهوية والرسالة والتمييز المؤسسي، حفاظًا على سلامة الذاكرة الثقافية وعدم تشويشها.
ثانيًا: هل يؤدي ذلك إلى انقسام الجمهور؟
من حيث المبدأ، التعدد ليس عيبًا، بل قد يكون مصدر إثراء وتنوّع، غير أن الخطر لا يكمن في التعدد ذاته، وإنما في غياب التنسيق، وتداخل الأدوار، وتشابه البرامج، والتنافس غير المنظم على الجمهور ذاته. وعندها يتحول التعدد من قيمة مضافة إلى عامل انقسام غير مقصود، حيث يُستنزف الجمهور بين جهات متشابهة في الطرح، متقاربة في التوقيت، ومتكررة في المحتوى.
ثالثًا: في كثرة الجهات الأدبية وتكرار الفعاليات
تزخر الأحساء – ولله الحمد – بمجالس أدبية، وجمعيات ثقافية، وكيانات ذات تاريخ وتجربة، إلا أن كثرتها دون إطار تنسيقي جامع قد يؤدي إلى تكرار الفعاليات وتشابه عناوينها، واستهلاك الأسماء ذاتها من المثقفين والأدباء، وإرهاق الجمهور، وانخفاض الأثر الثقافي التراكمي، وتبعثر الدعم والجهد بدل تركيزه. والعمل الثقافي بطبيعته عمل تراكمي لا يحتمل التفكك ولا الازدواجية.
رابعًا: الرؤية المقترحة
الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الكيانات بقدر ما هي إلى وضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار لا تنافسها، وتنسيق الفعاليات زمنًا ومضمونًا، وأخيرًا الانتقال من منطق «الكيان» إلى منطق «المشروع الثقافي المؤثر»، وهو ما تحرص عليه وزارة الثقافة ضمن إطار برامج «الدعم مقابل الأداء». فالثقافة لا تُقاس بعدد المنصات، بل بعمق الأثر، واستدامة الفعل، ووحدة الخطاب.
وخلاصة الأمر أن تدشين أي كيان ثقافي جديد ينبغي أن يُقرأ بوصفه مسؤولية ثقافية مشتركة، وظاهرة صحية متنامية في ظل الانفتاح الثقافي والحضاري، لا باعتباره مجرد مبادرة مستقلة. فتعدد الكيانات الأدبية، كتعدد السلع والمنتجات، يخلق بيئة أدبية ثقافية تنافسية، وعليه ينبغي توحيد العمل على إنجاح الكيانات الناشئة والنامية، ولو بكلمات إيجابية محفزة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالمسميات المتشابهة، بل بالهويات الواضحة، وبالعمل التكاملي الذي يجعل من الأحساء مشهدًا ثقافيًا واحدًا متعدد الأصوات، متنوع القراءات والاهتمامات، لا ساحة متفرقة متزاحمة.
وإننا إذ نطرح هذه الرؤية، فإنما نفعل ذلك من منطلق الحرص لا النقد، ومن باب البناء لا الاعتراض، ومن باب الفرح بالمولود الجديد دون النظر إلى جنسه، إيمانًا بأن الثقافة تجمع ولا تفرّق، وتوحّد ولا تُجزّئ.
تهنئة وأمل
كما قدّم الشاعر السعودي جاسم عساكر من خلال “المنصة الأولى” التهاني للنادي الأدبي، قائلًا: أولًا، خالص التهاني والتبريكات بمناسبة افتتاح هذا النادي الثقافي الذي نعوّل عليه ونأمل أن يؤتي أكله ويحصد ثماره. والتهنئة موصولة لرئيسه الأستاذ أحمد البراهيم، الذي أدعو الله تعالى أن يعينه ويوفقه ومن معه. وشكرًا لكِ أستاذة فاطمة على هذا الاستطلاع الذي يشرفني المشاركة فيه.

وأضاف: لا شك أن الفعل الثقافي الجديد هو امتداد لجذور عريقة، وعملية بتر الذاكرة عملية شاقة ومجهدة، بل ولا يجب قطع الرحم بينها وبين الواقع. ولا أشك كذلك أن الجمهور الذي عايش الجذور لن يتوانى عن المقارنة بينها كمخزون ذهني وما يعيشه اليوم مع النادي الجديد كواقع حي، سواء كان هذا الجمهور واعيًا مدركًا، أو أتى ذلك بشكل عفوي تلقائي. لكن لا يجب أن يكون استدعاء الذاكرة في حدود الوقوف على عتبات الماضي، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى النظر للفعل الثقافي الجديد بوصفه امتدادًا بسمات عصرية وببصمات حديثة ورؤية جديدة في العطاء، تتماشى مع اللحظة الراهنة.
أما عن الأثر السلبي، فأنا دائمًا مع النظرة الإيجابية المتفائلة للمشاريع الجديدة، لذلك فإن النادي يضطلع بمسؤولية تقديم فعالياته وأنشطته بطريقة متجاوزة عما كانت عليه في السابق، لا أن يكرر ذات النهج أسلوبًا وضيوفًا ومادة. وعليه أن يتحمل ما يرد إليه من نقد ويستفيد منه تطويرًا لا مجرد دفاع، وأن ينظر إلى النادي على أنه إكمال للمسيرة السابقة عبر احترامها دون الوقوف عندها، مع توسيع دائرة المشاركة وفتح بابها أمام المواهب الشابة، والتنويع في الأسماء والمحتوى والبرامج.
مزيد من النور والتجلي في الفضاء الإبداعي

وقد بارك الشاعر جاسم الصحيح قائلًا: ابتداءً، أبارك لرئيس النادي الأدبي الثقافي الأستاذ أحمد البراهيم وجميع الأعضاء تدشين هذا النادي، وأدعو لهم بالتوفيق في بناء منارة ثقافية جديدة ومشرقة في آفاق الأحساء.
وعلى العكس من التساؤلات المطروحة، أرى أن زيادة الجهات الأدبية والثقافية تمثل مزيدًا من النور والتجلي في الفضاء الإبداعي، وهو منسجم تمامًا مع الاستراتيجية الجديدة لوزارة الثقافة، القائمة على فكرة الجمعيات في مختلف المجالات.
قد تتكرر الفعاليات أو تتشابه، وقد يتوزع الجمهور أو يتوحد، وكل ذلك يحمل دلالات إيجابية؛ فالوفرة تحفزنا على الاختيار، والتكرار أو التشابه يعطي الفرصة لمن فاتتهم فعالية ما أن يحضروا شبيهتها. المهم هو الالتزام ببناء مشهد ثقافي جوهري يجمع أبناء الأحساء وبناتها على حب الثقافة، ويفتح لهم نوافذ جديدة على عالم الإبداع.
