في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، يبدو أننا فقدنا القدرة على سماع أي شيء.
كل يوم تُرمى أمامنا قضايا “دارجة” تشعل الجدل ثم تنطفئ بسرعة البرق: خبر يلمع، مقطع ينتشر، رأي يُقتطع، وتعليق يتحوّل إلى معركة.
عالم كامل يُدار بالضجيج، لا بالحقيقة، ويتحوّل فيه الانشغال إلى إدمان، والسطحية إلى عادة لا يشعر بها أحد.
القضية ليست في كثرة ما يُقال، بل في قلّة ما يستحق أن يُقال. الناس باتوا يركضون خلف ما يثيرهم للحظة، لا ما يثريهم للمدى.
كل شيء سريع… وآني… ومؤقت.
حتى القضايا الكبرى، حين تدخل هذا التيار، تُفرغ من معناها وتصبح مجرد “ترند” يشتعل كعود كبريت ثم يسقط رمادًا قبل أن نفهم ما حدث أصلًا.
هذه الأزمة ليست تقنية ولا إعلامية فقط؛ إنها أزمة وعي جماعي.
فالتفاهة حين تصبح دارجة، تُربّي ذائقة جديدة تتغذى على السطح، تكتفي باللمعان، وتخاف من العمق. يصبح الصمت أمرًا غريبًا، والتأمل رفاهية، والنية الحقيقية مريبة.
وفي خضم هذا التيار، يضيع الإنسان نفسه.
ينسى أن له عقلًا يتساءل، وروحًا تبحث، وقلبًا يحتاج أن يسمع صوتًا واحدًا صادقًا وسط هذه الفوضى من الأصوات المتداخلة.
الضجيج يأكل التركيز، والسرعة تبتلع الحكمة، والجدل المستمر يحوّلنا إلى جمهور يتشاجر أكثر مما يفكر.
القضية الدارجة اليوم ليست “ماذا نتحدّث عنه؟” بل “كيف نتحدّث؟ ولماذا؟”
هل نبحث عن معرفة… أم عن إثارة؟
عن رأي… أم عن حضور؟
عن معنى… أم عن لحظة انتباه خاطفة؟
ربما آن الوقت أن نستعيد حقّنا في الهدوء، في اختيار ما يستحق أن يشغل عقولنا.
أن نُذكّر أنفسنا بأن الضجيج لا يصنع وعيًا، وأن القضايا التي تلمع بسرعة تموت بسرعة، وأن الإنسان الذي ينساق خلف كل شيء يفقد قيمته أمام أي شيء.
فالمسألة ليست في “القضية الدارجة أو الأمر المتعارف عليه بل في عمق الإنسان الذي يتعامل معها.
