الإنسان الأحسائي منذ القدم بالنخلة.. حتى أصبح جزءاً منها وأصبحت جزءاً منه.. كعاشقين وجودهما مرتبطان ببعض.. حتى باتا يشبهان بعضًا في كثير من النواحي والصفات.. وعلى ما يعطيها من اهتمام.. تعطيه أجود ما فيها.. فأصبحت أمه وعمته.. تعيش معه في بيته ومزرعته وفي طريقه وعمله.. يستفيد منها طوال العام.. من غرسها إلى مماتها.. فتهبه من خيراتها.. رطبها وتمرها وجذعها وسعفها وليفها وجذبها.
هذه الفترة ومع إشراقة شمس كل صباح ومع رائحة عطر النخل “الطبينة”… يتسابق المزارعون الأحسائيون على صعود نخيلهم الباسقة باستخدام “الكر” أو الآلات الحديثة لقطف “صرام” خيرات نخيلهم من التمور.
ويمر موسم الصرام بثلاث مراحل.. المرحلة الأولى يُطلق عليها مرحلة الموحد أو البكاير، ويتم فيها صرام جميع المواحيد أو البكاير منها نوع الغر والمجناز وتدريجيًا إلى الحاتمي والشيشي. والمرحلة الثانية هي مرحلة الإخلاص وتكون بين البرادين، ويتم فيها صرام “ملوك التمر” من نوع الإخلاص والرزيز. وفي المرحلة الأخيرة من الصرام مرحلة الأثايل لأنواع الهلالي والخصاب والزاملي والشهل وأم رحيم.
الأحساء.. واحة النخيل والطاقة والاستثمار.. تشهد حالياً “موسم الصرام” الذي يبدأ في شهر أغسطس “طباخ التمر” من كل عام ميلادي ويستمر حسب الأحوال البيئية إلى شهر أكتوبر، بإنتاج يفوق 200 ألف طن سنويًا من التمور “الطن = 1000 كلغ”، تصرم من نحو 3 ملايين نخلة، تتغذى من طبقة المياه الجوفية الضخمة، عبر 280 بئرًا ارتوازية، وتضم ما يقارب 60 نوعًا من التمور، فتم تسجيلها في موسوعة غينيس للأرقام القياسية عام 2020، بوصفها أكبر واحة قائمة بذاتها في العالم.
الأحساء.. يعود فيها أقدم تاريخ للاستقرار البشري إلى آلاف السنين… تعاقبت عليها حضارات إنسانية عدة وكانت حلقة وصل استراتيجية مع العالم… فبالإضافة إلى تراثها البيئي وتراثها الطبيعي.. تزخر بعمق تاريخي وحضاري.
نخيل الأحساء.. أصبحت اهتمام الباحثين والعلماء فبحثوا في أسرارها، وقدموا التقارير في تطويرها.. كما باتت محط أنظار المثقفين والفنانين فتم تأليف عنها القصص “أم السعف والليف”، والشعر والأمثال والمسرحيات التراثية، فصعدت النخلة خشبة مسرح بيت الثقافة من خلال مسرحية الصرام “أغنية النخيل” كعمل فني تصويري تعبّر عن رمزية النخلة بوصفها مكونًا أصيلًا من مكونات الهوية الأحسائية، فتناولت حكاية مستوحاة من الصرام، مسلطةً الضوء على قضايا مجتمعية وثقافية والتحديات التي يواجهها المزارع الأحسائي عبر سرد درامي غني مرتبط بموسم صرام النخلة الذي كان محورًا رئيسيًا في أحداث المسرحية.
ومن كلمات الشاعر الأحسائي عبدالله العماني فتغنى بها الفنان الدخيل:
تمرك حلو يالحسا.. ماحلى تلاوينه… من ذاق طعمه ما نسى.. لو طالت أسنونه
الخلاص بلون الذهب… والشيشي يازينه… الله يالهلالي عجب.. كاللولو جانينه
أما الشاعر العساكر الذي شبه التمر بالمجوهرات قال فيها:
تقول النخلةُ المعطاء، هبّوا أهبْكُم من كنوزي الخيّراتِ
ولا تخشَوا ـ إزائي ـ لن تجوعوا وفي عُنُقي عقودُ مجوهراتِ
كما تغنى بها الشاعر حيدر العبد الله قائلاً:
الشعرُ والتمرُ يا أحساء عيناكِ… وثغرُكِ الماءُ والدنيا حكاياكِ
لمّا نظرتِ إلينا وابتسمتِ جرى.. نهرا قصيدٍ ونخلٍ من مُحيّاكِ
ثم ماذا بعد… تلك الجهود في تسويق تمور الأحساء من المهرجان السنوي “موسم الصرام” الذي يقام في شهري سبتمبر وأكتوبر من كل عام في مدينة الملك عبدالله للتمور، والذي يشكل منصة اقتصادية وتسويقية رائدة تُعزز مكانة الأحساء كواحة عالمية للتمور، وتسهم في دعم المزارعين وفتح أسواقًا جديدة… ما المفاجآت القادمة لتسويق تمور الأحساء محليًا وإقليميًا وعالميًا، وأن المستهلك يجد التمر الأحسائي على رفوف متاجر منافذ البيع المحلية والعالمية، وكخيار أولي في ضيافة رحلات الطيران والمناسبات الرسمية.
ختامًا… الأحساء موطن النخيل وأجود التمور في العالم.
وليد بن محمد الشويهين
باحث دكتوراه في الإعلام وتكنولوجيا الاتصال
@shwyheenw
